ضائعٌ بين أقرانه
*
الجــزء الرّابع
(9)
*
*
م. فوزي
*
مع اقتراب نهاية العهدة، بدأت الأرض تتحرّك تحت أقدام الجميع. فالعروش؛ مثلما يحدث دائمًا في القرى التي تُدار فيها السيّاسة بالعاطفة والانتماء أكثر ممّا تُدار بالقانون، أخذت تعيد ترتيب صفوفها استعدادًا لانتخابات سنة 1990.
كان ”عرش أولاد سباع“ هو الأكبر عددا، الأقوى وزنا في ميزان الأصوات.
يأتي بعده ”عرش أولاد عبيد“، الذين نزح أغلبهم من ونزة ومن مداشر تحيط بها؛ رجال لهم امتداد اجتماعي واسع وحضور في القرية، مما جعل بقية الأعراش، خصوصًا ”أولاد سباع“ يحسبون ألف حساب لأي تحالف قد يُقصيهم أو يهمّش دورهم. كما كانت ”وادي الداموس،“ القرية النّموذجية، تملك هي الأخرى نسبة معتبرة من الناخبين، وصوتها يمكن أن يرجّح كفّة هذا أو ذاك.
وبين هذه التحالفات المتشابكة، بدأتُ أشعر بأنّ السّاحة أمامي ليست مجرّد انتخابات، بل شبكة معقّدة من الولاءات والكمائن والطموحات.
عندما انتُخب المجلس الجديد مكان القديم، وجدت نفسي، و بدافع القرابة والسن والانتماء،
أقف إلى جانب أحد الأقارب، المعلّم الذي يكبرني ببضع سنوات، والشاب الخفيف الذي يفتقد إلى الرّزانة.. لكن ذلك لم يقلّل من طموحه الكبير، وساعدته الظّروف والمكانة الاجتماعية التي كان يحظى بها كمعلّم وإمام متطوّع؛ بالمسجد الذي يشرف عليه الشّيخ ”سليمان“ العلاّمة المتورّع الذي بلغ من السن عُتيّا و أقعده المرض، أن يكون مرشحًا لرئاسة المجلس الذي كان أعضاؤه الأميّون يشكّلون الأغلبية.
وقفتُ معه، وكان وقوفي معه يعني وقوفي ”ضدّ“ الرئيس القديم؛ الرّجل المجاهد الذي ينتمي إلى عائلة ”عاشوري“ الكبيرة والمتجذّرة، الأمّي، لكنه يعرف من الدنيا ما يكفي ليحافظ على نفوذه. كان هذا الاختيار وحده كافيا ليضعني في ”قفص الإتهّام والخيانة“ أمام السلطات المحلية التي كانت تراقب الوضع عن قرب.
أذكر جيّدًا ذلك اليوم الذي وصلني فيه التلميح الأول: نظرة باردة من رئيس الدائرة؛ عزالدين شخّاب -رحمة الله عليه-، ذلك الرّجل الصّارم، ابن الشهيد وأمّه ”البيضاء“ المجاهدة المعروفة بنضالها، والذي كان يميل إلى الرئيس القديم بحكم ما سبق. وحين وقفتُ في صفّ المعلّم، قرأ الأمر كتمرّد وكخروج عن السّرب، و ربما كخيانة.
ومنذ تلك اللّحظة، بدأ الصراع يأخذ شكلًا آخر؛ صراعا صامتا، لكنّه عميق.
شهور، بعدها تبدّلت المواقف؛ فالرجل الذي وقفتُ معه نظرا لعدّة اعتبارات منها تقارب في العمرين والقرابة والانتماء.. بدا منه ما لم أكن أتوقّعه. وأخذ يتصرّف بطريقة جعلت العلاقة بيننا تتدهور. وشيئا فشيئا، وجدتُ نفسي أبتعد عنه، ثم أقف ضدّه، ثم أشهد، كموظّف وكاتب عام، على التجاوزات التي ارتكبها. وكان ذلك سببًا مباشرًا في توقيفه بعد عامين فحسب من تولّي رئاسة المجلس.
وهكذا، كما يحدث دائمًا في القاعدة، وعالم السيّاسة الصّغير. تحوّل الرجل الذي دعّمته إلى عبء، والسلطة التي اتّهمتني بالخيانة وجدتْ نفسها مجبرة على استعمال شهادتي لتبرئة ذمّتها. لكن هذه الأحداث، رغم ظلالها الثقيلة، لم تكن سوى مقدمة… مقدمة للفصل التاّلي من حياتي؛ حيث بدأتُ انزلق ببطء نحو المساحة الرّمادية التي ستقودنا في النهاية إلى الهاوية.
يتبع…/



إرسال التعليق