سَوَّاح
أ.د. جمال أبو نحل
السَّفر ليس مجرد انتقالٍ من مكانٍ إلى آخر، بل هو رحلةٌ تُعيد ترتيب الروح، وتهذّب نظرة الإنسان للحياة. كثيرٌ من الناس يعيشون أعمارهم بين جدرانٍ ثابتة، لا يخرجون من دوائرهم الصغيرة، بينما هناك آخرون خُلِقوا “سَوَّاحين”، يفتحون أبواب الحياة، ويقرعون نوافذ المعرفة أينما حلّوا.
كنتُ دائمًا أؤمن أن الإنسان الذي لا يُسافر، يظلُّ يقرأ صفحةً واحدة فقط من كتاب الوجود الكبير. فالعالم أوسع بكثير من حدودنا الضيقة، والناس وجوهٌ لا تُشبه بعضها، لكلٍ منهم قصة، وجرح، وحلم، وتجربة تستحق الإصغاء.
في أسفاري رأيتُ أن الفقر ليس دائمًا عوزًا إلى المال، بل قد يكون افتقارًا إلى معنى أو حكمة. ورأيتُ أن السعادة ليست حكرًا على الأغنياء، بل قد يسكنها طفلٌ يبتسم وسط الخراب، لأنه ما زال يملك أملاً صغيرًا يضيء قلبه.
والسائح الحقّ ليس من يبحث عن الفنادق الفارهة، ولا عن الصور البراقة؛ السائح الحقّ هو من يعود من رحلته وقد تغيّر: فهمَ أكثر، وعَبَرَ أكثر، وتواضع أكثر. هو من رجع بخُفَّين من الغبار، وقلبٍ طريّ، وعقلٍ ممتلئ.
إنني أدعو كل إنسان إلى أن يكون “سَوَّاحًا” ولو مرةً في العام؛ ليس بالضرورة عبر الدول والحدود، بل سائحًا في المعرفة، سائحًا في القراءة، سائحًا في فهم الآخرين، وسائحًا في أعماق نفسه. فرحلة الداخل أعمق ألف مرة من رحلة الخارج.
وفي النهاية، يبقى السائح الحقيقي هو الذي لا يبحث فقط عما يراه بعينيه، بل عما يُنير قلبه ويُهذّب روحه، لأن أجمل الرحلات هي تلك التي تعود منها إنسان أجمل، وأنقى، وأتقى، ويقيني فيها يقيني أن الأخرة هي الأبقى.
أ.د.جمال ابو نحل
رئيس المركز القومي لعلماء فلسطين.
المفكر العربي والإسلامي، الباحث والكاتب المحاضر الجامعي غير المتفرغ.



إرسال التعليق