حكاية القائد الكبير قطز

في سوق الرقيق بدمشق، تحت شمس تحرق الوجوه، دفع تاجرٌ بصبيٍ نحو المشتري وقال باستهزاء: «خذ هذا الكلب الشرس… اسمه قطز .
كان الصبي يمسح الدم عن شفتيه، وعيناه تلمعان بنار لا يعرفها أحد بعد. لم يكن يدري أن هذا الاسم الذي رُمي به كاللعنة سيصبح يوماً أسطورة ترجف لها جيوش المغول.من أغلال الحديد إلى سيوف الحراسة، ثم إلى قاعات السلاطين، تسلّق قطز السلم دون أن ينظر إلى الوراء. في القاهرة، صار ظلّ عز الدين أيبك الذي لا يفارقه. كان أيبك قد خطف العرش من يد امرأة تُدعى شجرة الدر – التي حكمت مصر بقبضة من حديد وهي ترتدي الحجاب – ثم تزوجها ليُشرّع حكمه.لكن عرش أيبك كان يهتز تحت قدميه. الرجل الحقيقي الذي يمشي في شوارع القاهرة كأنه الملك كان أقطاي البحري، زعيم المماليك الأشداء. كان يدخل المجلس ومائة مملوك خلفه بسيوفهم المشرعة، وينادي السلطان باسمه مجرداً: «يا أيبك!» حتى صار السلطان يرتعد من اسمه.في ليلة مظلمة، دعاه أيبك إلى القلعة «للصلح». دخل أقطاي متبختراً، فإذا بقطز يخرج من الظل كالنمر، وخلفه عشرة من السيوف المسلولة. ثانية واحدة… صرخة مكتومة… وكان رأس أقطاي يتدحرج على السجادة الحمراء. نظر قطز إلى الدم الذي يتساقط من سيفه، وابتسم ابتسامة خفيفة: لقد بدأت اللعبة.لكن الدم يجلب الدم. بعد أشهر قليلة، وجد أيبك نفسه في حمّامه، والخناجر تطعنه من كل جانب بأمر من شجرة الدر. ثم جاء دورها: ضربوها بالقباقيب حتى ماتت. صعد ابنهما الصبي نور الدين علي العرش… وصار قطز هو الحاكم الفعلي، الرجل الذي يقف خلف العرش ويحرّك الدمى.ثم هبّت العاصفة الكبرى.جاء الخبر كالصاعقة: بغداد سقطت.
الخليفة المستعصم لُفَّ في بساط وضُرب بالخيول حتى تناثرت عظامه.
هولاكو يتقدم كالطاعون، دمشق استسلمت، حلب استسلمت، والمغول على بعد أيام من غزة.في القلعة، اجتمع الفقهاء والقضاة، ووقف الشيخ العز بن عبد السلام كالجبل وقال بصوت يقطع نياط القلوب:
«إذا بعتم ذهب زوجاتكم، وخيولكم، وحتى أبواب بيوتكم، ولم يبقَ في بيت المال درهم واحد… حينها خذوا من أموال الأغنياء بالقوة، وإلا فاستعدوا لأن يُذبح أبناؤكم أمام أعينكم!»ساد الصمت المرعب.نظر قطز إلى السلطان الصبي الذي يلعب بالصقر على كتفه، ثم قال بهدوء قاتل:
«هذا اليوم لن يقودنا طفل».في صباح يوم صيد في العباسية، خرج الأمراء يضحكون… وعند الظهيرة عادوا ليجدوا السلطان الصبي مكبلاً في برج القلعة، والبيعة تُرفع لـ«الملك المظفر سيف الدين قطز».صعد المنبر يوم الجمعة، ورفع صوته حتى اهتزت جدران المسجد:
«والله لو علمتُ أن أحداً غيري يستطيع أن يوقف هولاكو لتركتُ له الملك ومشيتُ جندياً تحت رايته! لكن الأمة اليوم لا يقودها إلا رجلٌ واحد… وأنا مستعد أن أموت غداً، بشرط أن أموت وأنا أضرب بسيفي في وجوه التتار!»فبكى الرجال كالأطفال، وانهارت النساء في البيوت، ورفع الناس أصواتهم ببيعة واحدة تهز الأرض:
«الله أكبر… يا قطز… يا سيف الإسلام!»في تلك اللحظة، تحوّل العبد الذي بيع في سوق دمشق… إلى الرجل الوحيد بين الأحياء الذي يقف في وجه أكبر جيش رآه العالم.وكانت الريح تحمل رائحة الدم القادم من عين جالوت.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك