الغوغائيّة.. ومواقع التواصل الاجتماعي
الغوغائيّة.. ومواقع التواصل الاجتماعي
—-
*
م. فوزي
*
كل يوم يمر عليّ، وأنا أقرأ وأطالع بعض المواضيع و المقالات، و أتصفّح فيه أحيانا بعض الكتب من التي تلفتُ الانتباه؛ سواء من خلال عناوينها البارزة، أو من خلال أسماء أصحابها المميّزين.. إلّـا وتملّكني شعور بالخجل، وازداد معه يقيني أن الكتابة موهبة وفن، وليست مجرّد هواية، أو ورغبة عابرة لا تكفي كي يغدو الإنسان كاتبا أو أديبا متمكّنا ومتميّزا.
لقد أدركتُ بعد كل هذه السنين ”من اللّهو والعبث“، أن الذي يتم نشره والترويج له في مواقع التواصل الاجتماعي؛ من تفاهات لا ترقى إلى مستوى النشر والترويج، هي في الحقيقة قد تعبّر عن معاناة أصحابها من الحرمان وبعض النزوات المكبوتة.. لا ندركها، ولكن أصحاب الاختصاص يعرفونها تمام المعرفة. إذ المواقع الاجتماعية ساحة موبوءة وبؤرة لكلّ مريض.
إذا كانت هذه المواقع تعتبر أفضل وسيلة للتنفيس عن الخواطر والمشاعر والأفكار المكبوتة.. فهي في الوقت ذاته تُعدّ بمثابة أداة حقيقيّة للتمييز بين الطيّب والخبيث، والغثّ والسّمين. ومعيارا لما يروَّج له من طرف بعض المنتسبين للأدب: أصحاب الألقاب المزوّرة، والآراء والأفكار المزيّفة. الذين ليست لديهم شجاعة كافية لنشر أفكارهم التّافهة، لأنّهم ببساطة لا يملكون من الأدب سوى اسمه، ومن الكتب التي يتبجّحون بها في القاعات المغلقة وتتجمّل بجودة طباعتها رفوف المعارض والصّالونات، سوى رسمها.
هذا ما استخلصته خلال رحلة ”زمكنية“ جمعتني بصديقي الخلوق المحترم ”بيشو“، قادتنا إلى مدينة (تبسّة) بتضاريسها الخلاّبة، رحلة قصيرة تخلّلتها لحظات ”سريالية“ أنعشت فينا روح الحميميّة، وأذكت بيننا الاختلاف والجدل؛ فنحن في الحقيقة ”توأمان“ رغم الاختلاف في الرّاي والجدل فصديقي المعاصر محاور جيّد ولديه قناعات راسخة ليس من السهولة إقناعه بالتخلّي عنها. وأما العبد الفقير، فكل ما أحسن فعله هو الجدال من أجل الجدال لا أملك سواه في جعبتي؛ و”فاقد الشيء لا يعطيه“ كما يقول المثل. رغم أن الفقد، كتجربة إنسانية، يولّد الرّغبة في تقديم ”المفقود“ للآخرين، حتّى يجنّبهم المرارة نفسها.
رغم الطريق المشترك الذي جمع بيننا في الرّحلة ”الزمكنية“ السّعيدة، والوجهة المقصودة التي كانت قبلتنا الوحيدة، إلّـا أن الحوار الذي دار بيننا لم يسلم من ”المد والجزر“، وهي عادة بيننا؛ ومواقع التواصل الاجتماعي هي سبب هذه ”الغوغائيّة“ التي تحدث عبرها، بما تروّج له من رداءة، وما ينشر فيها من تفاهات لا ترقى إلى النشر ولا إلى المستوى المطلوب.



إرسال التعليق