الجزائر الحدث

مشكلة الاستاذ و المعلم و المربي

في العالم العربي،
يولد الأستاذ مثل أي موظف حكومي بائس،
لكنه يقضي حياته مقتنعا بأنه “يحمل رسالة”،
رسالة لا أحد يريد قراءتها،
ولا حتى التلاميذ الذين ينظرون إليه كما لو أنه موسيقى لا يسمعها احد في محلات الألبسة،
يصل إلى القسم متأخراً بدقيقة أو اثنتين،
ليس لأنه كسول،
بل لأن العالم كله يبدو مصمما لجعله يصل متأخرا،
الطريق الممتلئ بالحفر،
الحافلة التي لا تأتي، والراتب الذي لا يكفي لشراء ساعة يد محترمة،
و ما بالك بسيارة،
يدخل القسم فيجده كما تركه:
طاولات مكسرة، جدران باهتة،
شباب في سن الانفجار الهرموني، وسبورة تشبه صخرة أثرية،
كل شيء هنا ثابت منذ عشرين عاما، إلا هو،
هو وحده الذي يشيخ و يتآكل..
يشرح الدرس بصوت ميت،
كأن الكلمات تخرج من فمه فقط لتسقط مباشرة على الأرض،
التلاميذ ينظرون إليه بلا اهتمام،
وكأنهم يشاهدون مقطع فيديو مشوق على اليوتيوب،
ويظهر الاستاذ كالاعلان
ينتظرون فقط ظهور زر “تخطي الإعلان”،
أحيانا يبتسم لهم،
هو لا يعرف لماذا يفعل ذلك،
ربما ليثبت لنفسه أنه لم يمت بعد و هناك شيئا إنسانيا ما لا يزال يسكنه،
لكن سرعان ما يتذكر الواقع،
الراتب، الإهانة، الاجتماع البيروقراطي الذي سيحضره بعد الظهيرة،
المدير الذي يتصنع الجدية والصرامة معه،
و يعامل استاذة العلوم الطبيعية بتذلل،
الوزير الذي لم يدخل قسما في حياته،
و لا يعرف المواصلات،
في الساعة العاشرة، يخرج إلى الفسحة،
الأساتذة يفعلون ما يفعله الجنود بعد معركة،
يشربون القهوة بصمت، يحاولون المزاح، لكن وجوههم لا تتجاوب،
كل واحد منهم يحمل في داخله هزيمة صغيرة،
لا يريد الاعتراف بها، حتى لا ينهار،
ثم يتحدث الى زميل آخر عن “الإصلاح التربوي”،
وكلاهما مدرك أن الإصلاح الوحيد الممكن هو الوصول الى سن التقاعد بأقل الأضرار،
عندما يعود إلى المنزل،
يستقبله صمت ثقيل،
فقد نال حصته الكافية من الضجيج في المدرسة،
يضع الحقيبة على الطاولة،
يفكر إن كان عليه تصحيح الامتحانات الآن أم لاحقا،
يدرك أنه سيصححها حتما،
زوجته لا تقول شيئا،
فقد أدركت متأخرة أن مهنة التعليم تشبه الزواج الفاشل،
تبدأ بالوعود وتنتهي بالصمت،
وفي الليل،
عندما ينام الجميع، يجلس وحيدا أمام أوراق لا نهاية لها،
وعند كل اسم تلميذ يقرأه،
يشعر بأنه يضع بصمته الصغيرة على مستقبل شخص ما…
ويفكر في المفارقة،
أنه رغم بؤس حالته،
ما يزال يملك تأثيرا هائلا على مصير آخرين،
هذه الفكرة تمنحه شعورا غريبا،
خليطا من الألم والفخر.
ومع ذلك، في الصباح، يعود إلى القسم،
لا بسبب الأمل، بل بسبب العادة،
والعادة،
هي أقوى من الأفكار، أقوى من الشجاعة، وأقوى من الكرامة أحيانا ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى