مذبحة تياروي 1944: حين قتلت فرنسا الذين حرروها

كاسي علان

مع مطلع صيف عام 1940، كانت أوروبا تعيش واحدة من أسرع الهزائم العسكرية في التاريخ الحديث.
في غضون ستة أسابيع فقط، استطاعت جيوش ألمانيا النازية أن تسحق الجيش الفرنسي سحقًا تامًا ، فانهارت الخطوط الدفاعية الفرنسية على طول جبهة المارن والآردين، وسقطت باريس يوم 14 يونيو 1940 دون مقاومة تُذكر.
أُبيدت معظم وحدات الجيش الفرنسي، ووقع في الأسر عدد مهول من الجنود.
تشير الإحصاءات إلى أنّ أكثر من مليون ونصف المليون جندي فرنسي أُسروا على يد الألمان بين مايو ويونيو من تلك السنة، أي نصف جيوش إمبراطورية فرنسا و أُرسل أكثر من 1,800,000 أسير إلى معسكرات الاعتقال في ألمانيا (Stalags وOflags)، وظلّ نحو 1,200,000 منهم في الأسر حتى نهاية الحرب سنة 1945.
بهذا، فقدت فرنسا جيشها تقريبًا، ووجدت نفسها عارية من القوة، لا تملك سوى الخضوع للعدو أو الاتكال على الآخرين لإنقاذها.
وأمام هذا الانهيار العسكري المروّع، لم تجد فرنسا سبيلًا سوى أن تستنجد بشعوبها المستعمَرة في إفريقيا وآسيا.
من الجزائر و المغرب و السنغال ومالي والنيجر وتشاد ومدغشقر، جُنّد عشرات الآلاف من الشباب الأفارقة، ووُعدوا بالحرية، والمواطنة الفرنسية الكاملة ، والأجر العادل، والاعتراف ببطولتهم إن ساعدوا في “تحرير الأم فرنسا” من الاحتلال النا..زي.
صدق الأفارقة الفرنسيين ؛ وهكذا نشأت كتائب «التيرايور السنغاليين» (Tirailleurs Sénégalais) ، أي “الرماة السنغاليون”، وكان عددهم يقارب 200,000 جندي سنغالي مسلم خدموا تحت الراية الفرنسية في جبهات أوروبا وشمال إفريقيا.
قاتل هؤلاء بشجاعة نادرة الى جانب باقي الافارقة في معارك إيطاليا، ونورماندي، والجنوب الفرنسي.
كانوا في الصفوف الأولى دائمًا، لأن الفرنسيين اعتبروا دماءهم أرخص من دماء الأوروبيين.
وكلما تقدّم الحلفاء نحو باريس، كان في مقدمة الجيش الفرنسي هؤلاء الجنود الافارقة الذين يقاتلون من أجل وطنٍ ليس وطنهم، يصدقون أن وفاءهم سيُكافأ يوم النصر.
وحين تحررت باريس في أغسطس 1944 بجهود الكتائب الافريقية ، أعلنت الحكومة الفرنسية الجديدة، برئاسة الجنرال ديغول ، نهاية خدمة “التيرايور” واستعدادها لإعادتهم إلى بلادهم.
وعدتهم وزارة المستعمرات الفرنسية بصرف جميع مستحقاتهم المالية وتعويضاتهم فور عودتهم إلى داكار .
لكن مع عودتهم من الجبهات، ظهر وجه فرنسا القبيح الحقيقي من جديد ، و بدأ الإهمال والتمييز العنصري.
كان الجنود البيض الفرنسيون يُستقبلون بالأوسمة والاحتفالات، و يظهرون في الافلام الدعائية على انهم المحررين ، بينما يتم إخفاء الجنود الأفارقة الذين شاركو في القتال الحقيقي كأنهم حمولة مزعجة يجب التخلص منها بأقل تكلفة.
وفي نهاية نوفمبر 1944، نُقل نحو 1300 جندي سنغالي على متن السفينة البريطانية “سيركاسيا” باتجاه داكار.
طالبوا بنصف رواتبهم قبل العودة، لكن السلطات الفرنسية رفضت. وعندما توقفت السفينة في الدار البيضاء بالمغرب، رفض المئات من الجنود النزول أو مواصلة الرحلة قبل تسوية أجورهم، فتم إنزالهم بالقوة وحرمانهم من أي حقوق.
أما الذين واصلوا الرحلة إلى السنغال، فقد وُضعوا في معسكر تياروي (Thiaroye) قرب داكار يوم 28 نوفمبر.
هناك، رفض الجنود مغادرة المعسكر قبل الحصول على كامل مستحقاتهم، فأرسل الجيش الفرنسي الجنرال ديلين للتفاوض معهم. لكن حين تطورت الأمور إلى احتجاجٍ غاضب، قرر القائد الفرنسي الردَّ بالنار.
في فجر 1 ديسمبر 1944 ، فتحت القوات الفرنسية نيران رشاشاتها على الجنود السنغاليين العُزّل.
استُخدمت العربات المدرعة، وقُصِف المعسكر بلا رحمة ، تم حصدهم و ابادتهم بدون رحمة ، العدد القليل الذي نجا من المذبحة، أُعدم أو سُجن، وأُلغيت جميع مستحقاته المالية.
تم طمس الحادثة لعقودٍ طويلة، ولم يُعترف بها رسميًا إلا سنة 2012 حين قال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند:
“إن ما جرى في تياروي كان مجزرة، وصمة عار في تاريخنا.”
لكن الاعتراف جاء بعد سبعين عامًا من الصمت، وبعد أن صار الضحايا مجرد أسماء منسية في ذاكرة القارة السوداء.
أما باقي الذين شاركو في تحرير فرنسا ، فلم يكن جزاؤهم أحسن … مجازر في الجزائر و بلاد الشام و غيرها …
-هكذا كانت أخلاق “الحضارة الغربية” التي زعمت الدفاع عن الحرية والمساواة: تستعبد الشعوب ثم تطلب منها أن تموت لتحريرها، تعد بالكرامة ثم تردّ بالرصاص.
الذين صدّقوا وعد فرنسا ماتوا في تياروي،
والذين عاشوا…. عاشوا منسيين، بلا مالٍ ولا اعتراف.
وهكذا دائمًا جزاء من يسلّم أمره إلى هؤلاء الغربيين :
يستعمله حين يحتاجه، ثم لن يناله منه إلا الغدر و نكران الجميل …

إرسال التعليق