ضائعٌ بين أقرانه
ضائعٌ بين أقرانه
الجـــزء الرّابع
(2)
*
م. فوزي
*
كيف لشاب نزق فاقد للوعي وروح المسئولية أن يتحمّل عبء قرارات اتُّخذت بشأن مستقبله المهني والإجتماعي؟ قرارات لم تكن ”مدروسة العواقب“. لذلك، لم تكن موفّقة.
هناك من يتسائل لماذا أقول مثل هذا الكلام ؟ خاصّة بالنسبة للمقرّبين. ويتلبّسهم السّؤال عن سبب توصيفي ”المهنة والزواج“ بالقرارات غير الموفّقة؟ من الطبيعي أن تصدر منهم مثل هذه الأسئلة لأن هؤلاء يحكمون على المظاهر وهي التي لا تعكس بالضّرورة حقيقة ما يشعر به الإنسان؛ المنكسر المتهالك الذي يشعر بالحزن والألم ويعاني من الكآبة، ولايبدي ذلك للعيان.
قد يحسدك المقرّبون؛ من الأقارب والأصدقاء، على ما يبدو بالنسبة إليهم ”نعم“ ظاهرة، لكنّها في الواقع ليست سوى واجهة تخفي من ورائها كثيرا من الفشل والشعور بالخيبة والكآبة والإخفاقات. وهذا ما يجعل الكثيرون يُصدمون عند سماعهم عن ”انتحار نجم“ ما من النّجوم أو دخول شخصية من الشخصيات المحترمة والمرموقة في حالة يأس وكآبة. فليس كل الناس متفرّسين.
من الأشياء التي تعلّمتها وأنا شاب، وبمرور الوقت أصبحتُ أؤمن بها، أن ”الوعي“ و”الحريّة“ شرطان أساسيان لتحميل المسئولية، بغض النّظر عن درجة وطبيعة هذه المسئولية؛ اجتماعية كانت أو مهنية. ومن بين المصائب التي ابتليت بها هذه الأمّه (إسناد الأمور إلى غير أهلها).
حين أعود إلى التفكير في الماضي، ينتابني شعور بالظلم والإخفاق ويتلبّسني السؤال: ”لماذا قبلتُ بدور المهرّج؟“. وأكثر من العتاب، أعاتب نفسي الأمّارة بالسّوء، ولكن أعود فألتمس ألف عذر لها، مع حضور الجواب: ”تلبية للجمهور“. الجمهور الذي تبهره الأدوار فلا يبخل بالتصفيق. مع احترامي للمهرّج المتمكّن. وأمّا أنا فلا أملك شيئا من هذا ولا ذاك؛ ”الرّيح اللي جا يدّيه“. كما يُقال. مجّرد شاب نزق تلاعب به الجمهور، و أجهزت عليه ريّاح المواسم والأهواء.
لكن المسئولية الحقيقيّة تقع على المجتمع، باعتباره العقل المدبّر، و من بيده الحل والربط، صاحب الأمر والنّهي، والرأي الأوّل والأخير. وأقصد بذلك المجتمع الضيّق، فلا أنتظر من أجنبي لا أعرفه ولا يعرفني أن يأخذ بيدي ويوجّهني إلى جادّة الصّواب. سيّما إذا كان هذا المجتمع مادّي متطرّف لايدين بدين ولا يعترف بالأخلاق. والأمثلة على ذلك كثيرة، ونحن في الحقيقة لا نبعد كثيرا عن المجتمعات التي لا تنصح ولا تعمل بالنّصيحة في هذه الأيّام.
نظرا لعدّة أسباب، منها خاصّة التأثير السّلبي للوسائل التكنولوجية الحديثة، فإن كثيرا من شباب اليوم لا يحترمون الأصول، ولا يقبلون بالنّصيحة. ولذلك استشرى الفساد و انتشرت الآفات، ”انتشار النار في الهشيم“. مع أنّه يوجد من بين الشباب من يحسن استغلال هذه الوسائل المتقدّمة، رخيصة الثّمن عالية القيمة والأهميّة، فيما يخدمه ماديّا ومعنويّا. وأنا أحسد هذا الجيل على هذه النّعمة التي بين يديه، لو يعرف كيف يجعل منها وسيلة إيجابية فحسب.
الإنسان وليد بيئته كما يُقال، وحتى لا يغدو الإنسان أسير هذه البيئة عليه بالإرادة والتحدي، فالعظماء يبرزون رغم الصعاب، والضعفاء يفشلون رغم البيئات الجيّدة. ولكن البيئة التي نشأتُ وترعرتُ فيها فرضت شروطها عليّ، فتولّد لديّ شعور بالظلّم والإخفاق. وكلّما عدتُ إلى الماضي وحيثياته، استعيد تلك الظروف التي عشتُها، وصارت تشكّل مصدر قلق وشعور بالذنب، وأعتبرها سبب كل نكسة أعيشها الآن. وقد يراها غيري مصدر فخر مجلبة للغبطة والسّعادة، ونعمة من النّعم.
المنصب والزوجة في موروثنا الشعبي ”فروسية“. و من الأمثلة الشعبية المتداولة التي لدينا: ”الفرس على فارسها“:
-يذكّرني هذا بقصّة أحد الأشخاص، والعهدة على الراوي، والرّواي من الأصدقاء المقرّبين -رحمة الله على صديقي- بطلها أحد أصغر أعمامه وأقلّهم فطنة وحيلة ودهاء، حتى لا أقول شيئا آخر. وكان يعاني من شغف اسمه ”عشق الفروسية“. لكن المسكين لم يكن يملك بنية قويّة، ولا مقوّمات الفارس المتمكّن. و ذات فرح أُقيم فيه عرس بالبادية سلّم له أحد الفرسان فرسه. فركبها، وأطلق لها العنان. فلما اقترب من محفل الحرائر وسمع الزّغاريد لم يتماسك، وقام معتدلا كواحد من الفرسان؛ يريد أن يشهر سيفه أو يطلق النار من بندقيته. ولكن المعتوه لم يكن يرتدي شيئا تحت الجبّة التي تلاعب بها الرّيح وأبدى ما كان مخفيّا عن العوام، ففضحه، لكنّه أكمل طريقه ولم يعد إلى البيت منذ تلك الحادثة، حسب ما رواه لي هذا الصّديق.
رحم الله صديقي وطيّب ثراه وجعل الجنّة مثواه، فقد كان لديه حس فكاهي مميّز.
يتبع…/…



إرسال التعليق