الصمت الذي يوجّه الرسالة الخطأ… جرائم الاحتلال تتصاعد والفلسطينيون بلا فعل

صالح شوكة
في الوقت الذي تتكشف فيه شهادات صادمة عن تعرّض الأسيرات والأسرى الفلسطينيين لاعتداءات جنسية داخل السجون الإسرائيلية، يقف المشهد الفلسطيني أمام صمت مربك، يكاد يلامس العجز. جرائم الاغتصاب، سواء كانت فردية أو ممنهجة، لا يمكن إدراجها تحت بند الانتهاكات العادية. إنها جرائم حرب موثّقة، وهجمات على الكرامة الإنسانية، واعتداء على الجسد الفلسطيني الذي طالما حمل راية الصمود.
وبرغم خطورة هذه الشهادات، اكتفت كبرى الفصائل الفلسطينية ببيانات استنكار روتينية فقدت تأثيرها. لم نرَ خطوات سياسية، أو قانونية، أو دبلوماسية جدّية تتناسب مع حجم الكارثة. لم تُجرَ تحركات ضاغطة على المؤسسات الدولية، ولا جرى تفعيل المسارات القانونية في الجنائية الدولية، ولا ظهرت حملة وطنية جامعة ترقى لمستوى هذه الجرائم. وكأن الجسد الأسير يخوض معركته وحيدًا.
هذا الصمت — سواء كان نابعًا من الانقسام أو الحسابات السياسية أو الإهمال — هو في جوهره رسالة خاطئة تُفهم من الاحتلال بأنه يمكنه أن يفعل أكثر… وأن يتجاوز أكثر… وأن يمعن في الجريمة دون رادع.
قانون الإعدام… خطوة أخرى نحو الفاشية المطلقة
في موازاة ذلك، مضى الاحتلال بخطوة أخطر: إقرار قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين. وهو أخطر تشريع يُمرّر منذ عقود، لأنه يمنح الغطاء القانوني لقتل الأسرى خارج أي محاكمة عادلة، ولتصفية القضية الأسيرة من جذورها.
هذا القانون ليس مجرد بند قانوني؛ إنه إعلان صريح بأن الاحتلال لم يعد يكتفي بالاعتقال والتعذيب والعزل والحرمان، بل يريد الانتقال إلى مرحلة “الإعدام المشرعن”. وإقراره في ظل غياب ردّ فلسطيني صلب، يزيد من جرأة الاحتلال ويجعله مطمئنًا إلى أن البيئة السياسية الحالية في صالحه.
الفلسطينيون… أين ردّ الفعل؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف يمكن قبول هذا القدر من الصمت تجاه هذا الكم من الجرائم؟
أين السلطة الفلسطينية ومؤسساتها القانونية؟
أين الفصائل التي لا تزال تحصر تحركها في بيانات مكتوبة؟
أين الحراك الشعبي الذي طالما كان الدرع الأول للأسرى؟
لماذا يبدو أن الجريمة تُرتكب، والصدمة تمضي، ثم يعود كل شيء إلى نقطة الصفر؟
غياب الفعل الفلسطيني — السياسي، القضائي، الإعلامي، الشعبي — هو ما يجعل الاحتلال قادرًا على نقل مستوى الجريمة من الاعتقال إلى التعذيب، ومن التعذيب إلى الاغتصاب، ومن الاغتصاب إلى الإعدام.
الاحتلال يفهم لغة واحدة: ردّ الفعل
إذا استمر الصمت، فإن الاحتلال سيستمر. وإذا ظلّ الفلسطينيون يكتفون بالتعليق اللفظي، فإن آلة القمع ستواصل ابتلاعها لكل الحدود. إن جرائم الاغتصاب بحق الأسيرات والأسرى وحدها كفيلة بإطلاق أكبر حملة فلسطينية وعربية ودولية، لو كانت هناك إرادة حقيقية.
وإن قانون الإعدام وحده كفيل بإطلاق طوارئ وطنية، لو كان هناك وعي بخطورة اللحظة.
إن الصمت الفلسطيني اليوم أصبح جزءًا من المشكلة، وربما بات يُقرأ لدى الاحتلال كنوع من الموافقة الضمنية. وإذا لم تتحرك القيادة والفصائل والشارع، فإننا سنستيقظ على جرائم أكبر وأكثر فظاعة.
الأسيرات والأسرى لا يحتاجون بيانات — يحتاجون مواقف.
ولا يحتاجون كلمات — يحتاجون فعلًا يوقف جرائم الاحتلال، ويضع حدًا لمرحلة تتجاوز كل الحدود الأخلاقية والإنسانية.



