قيامة القطيع

حسين علي محمود

أزمة الوعي المعاصر التي يعاني منها كثيرون في ظل الانفجار الرقمي والمعلوماتي“سياسة القطيع” هي بالفعل ظاهرة خطيرة في عالم اليوم، حيث تُغلق الأفق الفكرية في مواجهة هجوم جارف من الآراء المسبقة التي تروجها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
ذلك الميل الجماعي نحو التفكير الموحد، حيث يسود رأي الأغلبية على حساب الحقيقة، ويُقصى الصوت الفردي المستقل لمجرد أنه يختلف.
يقول آرثر شوبنهاور “أكثر ما يكرهه القطيع هو إنسان يفكر بشكل مختلف، إنهم لا يكرهون رأيه في الحقيقة، ولكن يكرهون جرأة هذا الفرد على امتلاك الشجاعة للتفكير بنفسه ليكون مختلفًا.”
الفيلسوف شوبنهاور كان حريصًا على الإشارة إلى أن الفكر الفردي هو ما يجب أن يُقدّر، ولكن المجتمع غالبًا ما يضغط لفرض حالة من التوافق الجماعي التي تجعل من الصعب على الفرد أن يظل مخلصًا لرؤيته الخاصة.
حيث وصف كيف يتخلى الإنسان عن تفكيره الحر ليتبنى آراء الجماعة، بدافع الخوف من العزلة أو الحاجة إلى القبول وهذا ما نشهده اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي، بالنسبة له، كان “القطيع” رمزًا لفقدان الشجاعة الفكرية، ولسيطرة السطحية على العقول.
هذه الظاهرة تجعل من أي انتقاد للرأي السائد نوعًا من الهجوم على القيم الاجتماعية السائدة، ربما يكون التحدي الأبرز، كما ذكرت انفا، هو أن نتمكن من التفكير بحرية في مواجهة تيارات الميديا والمجتمع، ونحافظ على استقلالنا الفكري.
إن الانصياع والإذعان لهذه الظاهرة، تفقد الإنسان القدرة على التفكير بعمق في قضية ما أو الموقف الذي يتعرض له، هذا الذي يجعله يعجز عن الوصول إلى طريق التفكير الموضوعي إلى حل ذاتي ومن ثم يسير مع القطيع ويتخلى بذلك عن أهم ما ميزه به الله سبحانه وتعالى وهو “العقل”، حيث أنه يسمح لغيره بأن يفكر نيابة عنه، وينتظر من الآخرين بأن يحلوا له مشكلته أو قضيته، إنه تعطيل تام للعقل الفردي، الذي هو المنوط به وحسب أن يسيّر حياة الفرد.
حينما يفقد الفرد قدرته، بعد أن يسلم عقله لغيره، على اتخاذ موقف في أمر ما، فإنه بالبديهة يلجأ إلى هذا الغير بحثاً عن مؤشرات وعن القرار الصحيح والموقف المناسب، وهو هنا يقع فريسة سهلة لهذا الغير الذي يسيطر عليه سيطرة كاملة، ويدفعه دفعا إلى ما يريد وليس ما يريد الشخص ذاته.
وما ذلك إلا لأن هذا الشخص فقد إيمانه بنفسه، وإيمانه بقدراته العقلية، هذا العقل الذي أعتبره الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت أنه مُقَسَّمٌ قسمة متساوية بين جميع البشر وأن الفرق الوحيد بين الجميع هو في آلية عمل هذا العقل.
وهذا ما يحدث في وقتنا الحالي، إذ يعاني الفرد العاقل ازمة صراع مع هيمنة القطيع ويقاسي المر ليبقى حراً وينسلخ من مجتمع العقل الجمعي الذي غالبا ما يحاول فرض نفسه بصورة مباشرة او غيرة مباشرة وبالتالي الفرد الواعي مهدد بالعزلة والخوف من هذه الأدوات العمياء فكريا والمشبعة بضحالة الوعي، حينئذٍ تكون الوحدة بوعي افضل من العيش في جماعة مغلفة بأفكار القطيع لا تعلم اولها من آخرها مبنية على سياسة القطيع التي افرزها العقل الجمعي المغيّب ولن تنفع مئات الآلاف من حقن الوعي لإجهاضها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك