ريال مدريد الانتقال من نموذج هوية ميتا-فنية إلى نموذج هوية فنية.

بدأت صحوة تتفشى بين كثير من المدريديستا، ليس فقط في التعليقات التي تصلني من أصدقاء ورفاق الشغف لتعترف أنها كانت مخدوعة وبأنها اقتنعت أخيرا أن تحذيراتي منذ شهرين صارت حقيقة جاحظة العينين تنظر إلينا بشماتة. ليس هذا فحسب.
بل حتى بعض الصحفيون الإسبان وبعض اليوتيوبرز الإسبان والفرنسيون الذين أتابعهم، صاروا الآن -أخيرا- يرددون نفس ما كنت أحذر منه منذ شهور.
في هذا المقال، سأعيد تذكيركم بأخطر شيء حذرت منه والأسباب التي تجعل احتمالات حدوثه مرتفعة جدا.
لا أدري إن كان منكم من تذكر حين قلت بمقال [شخصية البطل والانهزام النفسي] :
“يؤسفني أعزائي المدريديستا أن أخبركم بيقين العارفين أن مشكلة “هذا المشروع” أعمق بشكل مخيف (كما سنفصل أسفله) مما يجعلها تهدد لا نجاح هذا الموسم الحالي فحسب، بل تهدد هذا الجيل – Cycle كله (3-5 سنوات قادمة) بالفشل الحتمي”.
فالخوف ليس فحسب من فشل مشروع هذا الموسم مع تشابي ألونسو ، بل الخوف أننا سنضحي بجيل كامل (3 إلى 5 سنوات قادمة من الفشل) بسبب تراكمات أخطاء بنيوية (الإصرار على هوية فنية متجاوزة)، تدبيرية (سلم الرواتب والعقود الدعائية) وفنية (تعاقدات مزاجية).
لكن لو أردنا أن نسلط الضوء على أكبر مشكلة تهدد هذا الجيل من اللاعبين للـ 3 إلى 5 سنوات قادمة من الفشل المتتابع فهي هذه المشكلة :
❌- الانتقال من هوية ميتا-فنية إلى هوية فنية دون تهييء بديهيات التعاقد والظروف الفنية.
إدارة بيريز التي تجنبت تخصيص منصب مدير رياضي فني في النادي (يدرس الهوية الفنية المناسبة للفريق ويتعاقد مع لاعبين ومدربين يناسبون تلك الهوية) لكي يتولى تلك المهمة بيريز، خوسي أنخيل سانشيز، جوني كالافات، سانتياغو سولاري… فهؤلاء وخلال السنوات الخمس الأخيرة قاموا بتعاقدات “مزاجية” من معيار أن اللاعب الفلاني موهوب وشاب يجب التعاقد معه. كمافينغا، تشواميتي، بيلينغهام، غولر، فيني، رودريغو، اندريك…. لكن دون أن تكون هذه التعاقدات ضمن هوية فنية محددة.
في حين في الوضع الطبيعي مع مدير رياضي فني يكون التعاقد مع “بروفايلات” لا مع “لاعبين موهوبين”.
البروفايل معناه لاعب أسلوبه يناسب الهوية الكروية للفريق التي نشتغل عليها.
نجحت استراتيجية إدارة بيريز بسبب تواجد Manager من قيمة أنشيلوتي، كفاءته هي إدارة اللاعبين واستخدامهم حسب ما يتطلبه نظام اللعب الذي يقرره حسب ما يملكه من بروفايلات، وكلنا شاهدنا براعة أنشيلوتي في توظيف المواهب ولاعبو القرارات الموقفية وابتكار مراكز لعب لهم…. ثم حصد الألقاب والإنجازات…
هذا النجاح كله من 2014 إلى 2014 تحقق لأسباب معظمها ميتا-فنية (ما ورائية). وعبارة ميتا فنية تعني أنها أسباب ما وراء التفاصيل والظروف الفنية المعتادة وبالتالي فهو نجاح لا يمكن استثماره ليكون هوية أو منهج لكونه غير مبني على معايير علمية فنية رياضية طبيعية تمكن من إعادته. هو نجاح خارق للقواعد لأسباب مختلفة هي أيضا ما ورائية (رأسية راموس من حيث لا تدري والتي بدأ منها كل شيء، فورمة كريستيانو الخارقة للعادة والتي لا يمكن استثمارها لأنه لاعب خارج عن المألوف، الفما حاجة في موسم ما ورائي وكأن الأقدار لم ترد سوى ذلك السيناريو الخارج عن المألوف….. موسم مجنون من فيني وبيلينغهام مع توفيق لخوسيلو…. يعني لا شيء عادي في كل إنجازاتنا (وهذا لا يمنع من الافتخار بها).
هذا كله يجب أن يفتح عينيك وعقلك لفكرة قليلون جدا جدا من انتبهوا إليها ؛ حققنا 6 دوري الأبطال آخر 10 مواسم.. نعم.. ونفتخر… ولكن….؟!!!
ولكن دون هوية فنية يمكن استثمارها!!!! والبناء عليها للاستمرار على نهج أو أسلوب له معايير فنية دقيقة تسمح بإعادته…
[قرار رئاسي]2/2
لذلك، بمجرد ما استنزفنا “شخصية البطل” وانتهى وجود لاعبو قرارات موقفية استثنائيون (راموس، كريستيانو، كروس، مودريش، بنزيمة)…. أي بمجرد ما استنزفنا هذه الإضافة الميتا-فنية الماورائية (أي لا تقبل التحليلات الطبيعية والمنطقية) والتي جعلتنا فريق استثنائي لا يخضع لقواعد بقية الأندية….
بمجرد ما استنزفنا كل ذلك، وأردنا التحول لفريق يملك هوية ضمن الكرة الحديثة، أي نصبح نخضع لمعايير الكرة الحديثة، انفجرت عيوب هذا النموذج الرياضي الميتا-فني (الماورائي) الذي خلقه فلورونتينو بيريز.
لذلك مشكلتنا اليوم مركبة وبالتالي معقدة ؛ تعاقدات مزاجية للاعبين حسب معايير ذاتية موقفية (الموهبة والجودة والشخصية)… مع إغفال المعايير الفنية (التوافق مع هوية فنية نخطط للانتقال إليها) ؛ أي التعاقد مع لاعبي قرارات موقفية لا مع بروفايلات فنية.
ثم حين موافقتهم على التعاقد، كانت الإدارة تصنع من أولئك اللاعبين بروفايلات دعائية للاستفادة من حقوق صورهم كإيرادات… فتحولوا من بروفايلات فنية إلى بروفايلات دعائية تملك رتبة وبالتالي سلطة ضمن شروط التعاقد أو تجديد العقود..
وعند الانتقال من أنشيلوتي كـ Manager إلى تشابي ألونسو كـ Coach ؛ حدثت صدمتين :
1- الانتقال الفجائي من هوية ميتا-فنية لهوية فنية دون مرحلة انتقال مخطط لها تكون خلالها التعاقدات عبارة عن بروفايلات تناسب تلك الهوية التي نريد بناء مشروع على أسسها.
2- رفض جمهورية اللاعبين الموقفيين (المكونة من رتب ثقيلة) لشروط بديهيات التعاقد مع Coach يريد وضع شروط لا تناسبهم (تدريبات أكثر تطلب، حصص فيديو تحليلية، أيام راحة أقل، تعليمات فنية متطلبة من ناحية الجعد البدني كالضغط العالي)…..
لذلك، مهما كان المدرب القادم (ضمن الكرة الحديثة) سيفشل فشل مخزي ويكون فريسة تلتهمه وخوش العقود الدعائية برتبهم الثقيلة.
لهذا قلت : الفشل يهدد هذا الجيل كله (3-5) سنوات قادمة سنأكل التبن خلالها في كل البطولات.
ما الحل إذن؟
أيضا ذكرت الحل في مقال سابق [الجمهورية الخامسة] ؛ أن تتوقف الإدارة عن هذا الحياد البليد الجبان!!!!!
لأنها من خلقت كل هذه المشاكل المتراكمة بتعاقدات مزاجية دون هوية فنية وتقوية رتب اللاعبين بعقود تجعلهم أساطير دعاية يستقوون على المدربين (يكفي أن تقرأ خبر أن طموح إدارة بيريز هو إقناع محيط فيني لتجديد عقده لتعرف الحضيض الذي وصلت إليه)….
لماذا إذن تتعاقدون مع ألونسو ما دمتم كإدارة لا تستطيعون دعمه أمام جمهوري اللاعبين؟؟
اللاعبون سيلتهمون تشابي ألونسو وطاقمه من المغمورين فعقودهم ضخمة كرواتبهم ومصالحهم تتواطأ مع مصالح الإدارة (حقوق الصور) فمن هذا المدرب الذي يستطيع ترويض هكذا وحوش؟؟
لا يوجد إذن سوى حل واحد واضح ومباشر ؛ تخلي الإدارة عن نموذجها الحالي وحل جمهورية اللاعبين بقرار رئاسي صريح صارم وحازم (على طريقة الخليفي كما ذكرت في مقال الجمهورية الخامسة).
هذا سيكون الخطوة الأولى فقط ؛ لإنهاء جمهورية القرارات الموقفية، وحينها فقط سيبدأ شغل مشروع هوية فنية، هو بدوره سيحتاح لمخاض وقرارات رئاسية قوية وجريئة لتنظيف الهيكل الكروي من كل التفاصيل الميتا-فنية المتوارثة لعقود، لصالح تفاصيل هوية فنية ضمن الكرة الحديثة يتم بناؤها بواسطة بروفايلات فنية لا مواهب ولاعبي قرارات موقفية.
وفقط عند هذه النقطة ؛ سنقول امنحوا المدرب الوقت الذي يحتاحه فهكذا مشاريع لا تنموا خلال أسابيع بل بعد شهور!



