واشنطن و«سوريا الجديدة»: بين إعادة التدوير الجيوسياسي وتبييض الوجوه القديمة
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
مقدمة: «المرحلة الإنتقالية» أم ولادة مشروع قديم بثوب جديد؟
في واحدة من أكثر الخطوات إثارة للجدل منذ إندلاع الحرب السورية، أعلن مجلس الأمن الدولي رفع العقوبات المفروضة على الرئيس السوري الإنتقالي أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب، بدعمٍ مباشر من الولايات المتحدة وبتصويت 14 عضوًا من أصل 15، فيما إكتفى الصين بالإمتناع عن التصويت. وقد وصف السفير الأميركي في الأمم المتحدة مايك وولتز القرار بأنه «إشارة سياسية قوية إلى أن سوريا تدخل عهدًا جديدًا».
هذا العهد الجديد، كما يصفه الكاتب الروسي يوري كوزنيتسوف، ليس سوى محاولة أميركية لتصميم «سوريا على المقاس»، بحيث تُستعاد الرموز والكوادر القديمة من النظام السابق، ولكن ضمن هندسة سياسية وإقتصادية جديدة تُبقي القرار الإستراتيجي في قبضة واشنطن وتضمن أمن إسرائيل قبل كل شيء.
بين «الشرع» و«الشرعية»: البيت الأبيض يمد يده لدمشق الجديدة
يرى كوزنيتسوف أن البيت الأبيض، الذي «إعتاد القيام بأكثر المناورات السياسية جنونًا»، يتهيأ لتثبيت شرعية الحكومة الإنتقالية بقيادة أحمد الشرع، وذلك بعد عام تقريبًا على سقوط نظام بشار الأسد.
المفارقة المدوية – كما يلاحظ الكاتب – أن الولايات المتحدة التي صنّفت فصائل المعارضة السورية سابقًا ضمن قوائم الإرهاب، تستعد اليوم لإستقبال محمد الجولاني، القائد السابق لجبهة النصرة (المنبثقة عن تنظيم القاعدة)، في البيت الأبيض نفسه. فقد أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير في تركيا توم باراك خلال مؤتمر Manama Dialogue في البحرين أن الجولاني سيزور واشنطن في 10 تشرين الثاني/نوفمبر لتوقيع إتفاق إنضمام سوريا إلى «التحالف الدولي ضد داعش».
وتؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت – بحسب كوزنيتسوف – صحة هذا الخبر، لتصبح بذلك زيارة الجولاني (الذي تحوّل من زعيم جهادي إلى “رجل دولة”) أول زيارة رسمية لزعيم سوري إلى الولايات المتحدة منذ إستقلال سوريا عام 1946.
وهنا يعلّق الكاتب بعبارة لاذعة: «لكي تُستقبل في البيت الأبيض وتنال الإحترام الدولي، عليك أن تكون جهاديًا سابقًا يعرف متى يستبدل بزّته العسكرية ببدلة وربطة عنق».
«تبييض» النظام الجديد: من رفع المكافأة إلى ضخ المليارات
يصف كوزنيتسوف رفع وزارة الخارجية الأميركية مكافأة العشرة ملايين دولار التي كانت مرصودة لمن يدلي بمعلومات عن الجولاني بأنه جزء من حملة تبييض مبكرة للنظام السوري الجديد. فقد بدأت منذ سبتمبر 2025 موجة من الدعم المالي العربي بإشراف أميركي، حين أعلنت السعودية وقطر – عبر صناديق التنمية الرسمية – عن تقديم 89 مليون دولار كمساعدات إنعاش عاجلة للميزانية السورية المنهارة.
كما يشير الكاتب إلى إتفاق أوسع أُبرم في مايو بين توم باراك وشركات أميركية–تركية–قطرية لإعادة بناء قطاع الطاقة السوري بميزانية تبلغ سبعة مليارات دولار، ما يشير إلى أن “سوريا الجديدة” لن تكون مشروعًا سياسيًا فحسب، بل صفقة إستثمارية ضخمة مفتوحة أمام رأس المال الأميركي والخليجي.
بين الطموح العسكري والوظيفة الجيوسياسية: قاعدة أميركية قرب دمشق؟
ينقل كوزنيتسوف عن مصادر وكالة رويترز معلومات حول نية البنتاغون إنشاء قاعدة عسكرية أميركية قرب دمشق، تحديدًا في محيط قاعدة «المزة» الجوية الواقعة على الطريق N7 المؤدي إلى الجنوب السوري، والتي تخضع حاليًا – وفق النص الروسي – لسيطرة الجيش الإسرائيلي.
ورغم نفي وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) هذه الأنباء، فإن الكاتب يرى أن مجرد تسريبها يحمل رسالة سياسية مزدوجة: من جهةٍ إختبارٌ لردود الفعل الروسية والإيرانية، ومن جهةٍ أخرى إشارة إلى أن واشنطن تخطط فعليًا لخلق منطقة عازلة «أميركية – إسرائيلية» بين سوريا وإسرائيل تحت ستار إتفاق وقف إطلاق النار الذي يروج له ترامب.
المصلحة الإسرائيلية أولاً وأخيراً
يشدد كوزنيتسوف على أن كل التحركات الأميركية في سوريا – من رفع العقوبات إلى إعادة دمج الجهاديين وتطبيع الشرع – تصب في خدمة إسرائيل. فالدبلوماسية الأميركية، كما يقول، «توفر الغطاء السياسي لتل أبيب في الأمم المتحدة»، بينما كانت التدخلات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، من حرب الخليج إلى غزو العراق وحتى الضربات ضد إيران في يونيو الماضي، تهدف جميعها إلى إضعاف خصوم إسرائيل الإقليميين.
لكن الكاتب يلاحظ أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لم تعد تسير وفق النمط القديم من «التبعية الهادئة»، إذ أصبح نتنياهو يتصرف أحيانًا ضد المصالح الأميركية، خاصة في ملف سوريا، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات عسكرية مستقلة، بما في ذلك تدمير مخازن سلاحٍ سوري سابقٍ والتوسع نحو المناطق الدرزية.
عودة ضباط «الأسد»: ضبط الميليشيات الجهادية أم ترويضها؟
يكشف كوزنيتسوف أن وزارة الدفاع السورية أعلنت مؤخرًا عن إعادة أكثر من ألفي ضابط إلى الخدمة كانوا قد أُقصوا بعد سقوط نظام الأسد. ويرى أن هذه الخطوة، التي حظيت بقبول أميركي ضمني، تهدف إلى إعادة الإنضباط إلى الفصائل المسلحة التي تشكلت من رحم المعارضة السابقة، وعلى رأسها ما يسمى بـ«الجيش الوطني السوري».
لكن السؤال، كما يطرحه الكاتب، هو: هل سيتمكن هؤلاء الضباط من التفاهم مع الجهاديين القدامى الذين أصبحوا اليوم جزءًا من المؤسسة العسكرية؟
الجواب – برأيه – غير مضمون، غير أن واشنطن وتل أبيب تراهنان على أن الكوادر القديمة ستكبح جماح أي نزعات عدوانية نحو الجبهة الجنوبية أو هضبة الجولان. فنظام الأسد، كما يذكّر كوزنيتسوف، كان على مدى 40 عامًا أكثر الأنظمة العربية التزامًا بالهدوء تجاه إسرائيل، وهو «ولاء» تُقدّره واشنطن اليوم وتعيد إستثماره.
هندسة توازنات جديدة في شرق المتوسط
يرى كوزنيتسوف أن الإدارة الأميركية تعمل على إعادة رسم خرائط النفوذ في شرق المتوسط من خلال موازنة النفوذ بين تركيا وإسرائيل داخل الأراضي السورية. هذه الموازنة ليست سياسية فقط، بل إقتصادية أيضًا، إذ يجري الحديث عن مشاريع طاقة ونقل إقليمي تُستخدم كأدوات ضغط وتحكم.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى أن «سوريا الشرع» تسعى بالتوازي إلى فتح قنوات مع موسكو للحفاظ على التوازن بين الضامنين. فقد عُقدت في 15 أكتوبر مفاوضات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الإدارة الإنتقالية السورية في موسكو، تلتها زيارة وفد عسكري سوري برئاسة اللواء علي النعسان، ما يؤشر إلى رغبة دمشق في إستثمار علاقتها القديمة بروسيا دون الإصطدام بالمشروع الأميركي الجديد.
الإقتصاد كجسر للمصالح: بين موسكو ودمشق
يتوقف كوزنيتسوف عند حدث رمزي لافت: تصدير سوريا 600 ألف برميل من النفط الخام عبر ميناء طرطوس لأول مرة منذ 15 عامًا، في صفقة مع شركة تجارية لم يُعلن إسمها. ويعتبر الكاتب أن هذا التطور – إلى جانب إحتمالات عودة شركتي «تات نفط» و«غوزناك» الروسيتين إلى السوق السورية – يمثل علامة على براغماتية النظام الجديد وسعيه إلى تنويع الشركاء دون الإصطدام بالهيمنة الأميركية.
كما لا يستبعد كوزنيتسوف إمكانية إنشاء صندوق إستثماري مشترك بتمويل روسي–سوري لتطوير مشاريع البنية التحتية على أساس الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
الختام: «سوريا الجديدة» بين واشنطن وتل أبيب وموسكو
يختم يوري كوزنيتسوف تحليله بالإشارة إلى أن وجود عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب في الأراضي السورية، بمن فيهم عناصر من آسيا الوسطى والقوقاز، يشكل تهديدًا مزدوجًا لكلٍّ من موسكو ودمشق، كما يضع النظام الجديد أمام إختبار صعب: كيف يواجه خصومه الجدد دون أن يفتح جبهة مع رعاته القدامى؟
الجواب، على ما يبدو، يكمن في الوظيفة الجديدة التي رُسمت لسوريا في عهد ترامب: دولة محايدة ظاهريًا، قابلة للتطويع سياسيًا وإقتصاديًا، ومضمونة الولاء أمنيًا لإسرائيل والولايات المتحدة.
وهكذا، كما يلمّح الكاتب في نهاية مقاله، يبدو أن واشنطن لا تعيد إعمار سوريا بقدر ما تعيد تدوير رموزها وخرائطها في لعبة نفوذ طويلة الأمد، تُدار باسم الإستقرار لكنها تخدم – في جوهرها – تثبيت الهيمنة الأميركية والإسرائيلية على قلب المشرق.



إرسال التعليق