غزة وأوشفيتز: وجهان لعملة تاريخية واحدة
زياد الزبيدي
نسلط الضوء في هذا المقال على رؤية الكاتب البريطاني جون وايت John Whight للأحداث التي شهدها العالم في 7 أكتوبر 2025، والتي وصفها بأنها امتداد مأساوي لإرث الجرائم الإنسانية في القرن العشرين.
يرى وايت أن الأحداث في غزة ليست مجرد صراع عسكري، بل تكرارًا مرعبًا لما جرى لليهود الأوروبيين أثناء الهولوكوست، مع إختلاف جوهري: ضحايا الماضي يتحولون إلى جلادين في الحاضر، مما يجعل مأساة غزة “أوشفيتز معكوسًا” من حيث الأثر الإنساني والسياسي.
الصهيونية والنازية: إطار أيديولوجي مشترك
جون وايت يصف الصهيونية بأنها “النازية في زماننا”، مستندًا إلى ثلاثة عناصر رئيسية:
- أيديولوجيا التفوق العنصري: الصهيونية، كما يرى وايت، تقوم على أساس هرمي لقيمة البشر، حيث يُعتبر أصحاب البشرة البيضاء أو من يُمنحون هذه الصفة أيديولوجيًا أكثر قيمة من أصحاب البشرة الداكنة. هذا يتطابق مع العقائد النازية التي اعتبرت اليهود والأقليات الأخرى أقل قيمة.
- الإنتقام التاريخي المبرر: إستخدام مأساة الهولوكوست لتبرير الإبادة الحالية ضد الفلسطينيين، بما في ذلك الحصار والحروب المتكررة على غزة. هذا يعكس تحويرًا للشعارات التاريخية مثل “لن يتكرر مرة أخرى” لتصبح أداة سياسية بدلاً من مبادئ إنسانية.
- توظيف القانون الدولي بشكل إنتقائي: إسرائيل، وفقًا لوايت، تستند إلى شعارات العدالة الدولية لتبرير إجراءاتها، لكنها تتجاهل القوانين الدولية عندما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين. هذا يشبه إستخدام قوانين أو مبادئ أخلاقية تاريخية جزئيًا، لتبرير الإبادة أو التمييز.
مقارنة الهولوكوست وغزة
الهولوكوست: جريمة عالمية معترف بها
الهولوكوست شهد إبادة منظمة لليهود الأوروبيين من قبل النظام النازي بين 1939 و1945، راح ضحيتها أكثر من ستة ملايين شخص. الجرائم تضمنت الإعدام الجماعي، التجويع، التجارب الطبية، وحرمان الضحايا من حقوقهم الإنسانية الأساسية.
بعد الهولوكوست، تم إعتماد معاهدات ومبادئ دولية لمكافحة الإبادة الجماعية، مثل إتفاقية الأمم المتحدة لمنع تكرار جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948).
غزة: تكرار مأساوي
غزة اليوم تواجه ما وصفه وايت بـ”الإبادة المتدرجة”، من حصار إقتصادي وعسكري مستمر، إلى إستهداف المدنيين والبنية التحتية الأساسية.
الإنعكاسات الإنسانية: وفق تقارير الأمم المتحدة، يعيش سكان غزة في ظروف إنسانية صعبة، مع نقص الغذاء والدواء والكهرباء والماء، ما يفاقم من معاناتهم اليومية.
الإنعكاسات السياسية: المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، غالبًا ما يصدر بيانات إدانة محدودة أو رمزية، دون فرض عقوبات فعالة على إسرائيل. هذا يخلق مناخًا يسمح بإستمرار إنتهاكات القانون الدولي دون مساءلة فعلية.
الدروس التاريخية غير المستفادة
وايت يبرز أن الشعار “لن يتكرر مرة أخرى” لم يُترجم إلى فعل عالمي واقعي، بل أستُخدم كذريعة لتبرير أعمال عنف إنتقامي بحق الفلسطينيين. بالتالي، غزة تمثل إنكارًا لمأساة الهولوكوست من منظور الحماية الإنسانية الشاملة.
تحليل قانوني: الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي
إتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948) تعرف الإبادة بأنها أي عمل يُرتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو عرقية أو دينية جزئيًا أو كليًا. وفق هذا التعريف، يرى بعض الباحثين أن ما يحدث في غزة يمكن إعتباره إنتهاكًا لحقوق الإنسان الأساسية، وقد يندرج تحت مفهوم “الإبادة المتدرجة” بسبب الإستهداف الممنهج للمدنيين والفقر المدقع الناتج عن الحصار.
البعد الأخلاقي والإنساني
وايت يشدد على أن مأساة غزة تكشف عن فشل أخلاقي عالمي. بينما ندد العالم بهولوكوست، لم يتم تبني نفس المعايير للضحايا الفلسطينيين، ما يعكس إزدواجية أخلاقية في التعامل مع التاريخ. وفقًا له، العدالة الحقيقية تتطلب احترام حقوق جميع البشر، وعدم إستخدام مأساة جماعة ما لتبرير إنتهاك حقوق جماعة أخرى.
خاتمة
الدراسة التحليلية لمقال جون وايت تبرز ثلاث نقاط مركزية:
- الصهيونية، كما يصفها وايت، تعتمد على أفكار مشابهة للنازية من حيث التسلسل الهرمي لقيمة الإنسان والإنتقام التاريخي.
- مأساة غزة هي إمتداد لمأساة الهولوكوست، لكنها تُظهر فشل المجتمع الدولي في تطبيق مبادئ العدالة الإنسانية بشكل شامل.
- التحليل القانوني والسياسي يظهر أن التمييز في المعايير الدولية يساهم في إستمرار الإنتهاكات، ويطرح سؤالًا أخلاقيًا حول الإلتزام العالمي بالقيم الإنسانية.
المرجع
- جون وايت. Gaza and Auschwitz are two sides of the same historical coin. Medium platform
7/10/2025.
هوامش
أوشفيتز (Auschwitz) هو الإسم الذي أُطلق على مجمّع من معسكرات الإعتقال والإبادة النازية، أقيم قرب مدينة أوسفيتسيم في بولندا التي كانت تحت الإحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية. أنشئ عام 1940 بأمر من هاينريش هيملر، وأصبح لاحقًا أكبر معسكر إبادة في أوروبا.
كان يضم ثلاثة أقسام رئيسية: أوشفيتز I (المعسكر الأصلي ومركز الإدارة)، أوشفيتز II – بيركيناو (معسكر الإبادة بالغازات وغرف الحرق)، وأوشفيتز III – مونوفيتس (معسكر العمل القسري لصالح شركة إي غه فاربن).
قُتل في أوشفيتز أكثر من مليون إنسان، معظمهم من اليهود، إضافةً إلى البولنديين والغجر والروس والأسرى السياسيين. تحوّل الموقع اليوم إلى متحف تذكاري عالمي ورمزٍ للهولوكوست والإبادة الجماعية في القرن العشرين.



إرسال التعليق