بين صناديق الاقتراع والعقل، كيف تمارس أوروبا الانتخابات؟

ديار الهرمزي
في أوروبا، الانتخابات ليست موسمًا للفوضى ولا معركة لتصفية الحسابات، بل هي عملية عقلانية ناضجة تُمارس فيها الشعوب حقّها الطبيعي في اختيار ممثليها، بناءً على برامج واضحة، ومشاريع مدروسة، ومناظرات محترمة.
فالانتخابات هناك ليست مناسبة للتخوين والوعيد، بل هي مساحة للتنافس في تقديم الحلول، لا في استعراض النفوذ والولاءات الضيقة.
الأحزاب تُعد برامجها بشفافية، تُعلنها للرأي العام، وتُعرض على وسائل الإعلام، ثم تبدأ مرحلة النقاش المفتوح، حيث يُحق لكل مواطن أو مفكر أو صحفي أن يسأل، وينتقد، ويراجع.
ولا يجرؤ أي سياسي أن يُهدد ناقدًا، لأن الديمقراطية هناك مبنية على احترام العقل وحرية الرأي.
المواطن هو الرقيب؛
في هذه المجتمعات، المواطن ليس تابعًا، بل شريكًا في القرار. له أن يسأل من دون خوف:
من أين تموّلون هذا المشروع؟
وما مدى واقعيته؟
وهل يخدم الطبقات الضعيفة أم أصحاب النفوذ فقط؟
وهذه الأسئلة لا تُعد خروجًا عن الطاعة، بل جزءًا من ممارسة المواطنة الواعية.
فالحكومة تُحاسَب، والمرشح يُنتقد، والكل تحت مظلة القانون.
المناظرة… ليست معركة
حين تجري مناظرات بين رؤساء الكتل أو المرشحين للرئاسة أو للمجلس في أوروبا، تجد أن الهدوء، والاحترام، والمنطق هي أدوات النقاش.
لا يُقاطع أحدهم الآخر بشتيمة، ولا يُرفع الصوت لإسكات الحجة، بل يتحدث كل مرشح عن مشروعه، ويُفند مشروع خصمه بلغة تحليلية.
إنها ثقافة الرقي السياسي التي تجعل السياسي مسؤولًا لا متسلطًا، وتجعل من صناديق الاقتراع مسارًا حضاريًا للتغيير، لا صراعًا دامويًا من أجل البقاء في السلطة.
في المقابل… ماذا نجد في بعض المجتمعات المتأخرة سياسيًا؟
في مجتمعات أخرى، لم تترسخ فيها الديمقراطية بعد، نجد أن الانتخابات تتحول إلى:
موسم للشتائم وشراء الذمم،
وأداة للتهديد لا للتغيير،
ومناسبة لتجييش العواطف الطائفية أو القومية أو المناطقية، بدلًا من تقديم برامج تنموية.
في هذه البيئات،
إذا انتقدت مشروعًا، فأنت عدو،
وإذا سألت عن مصادر تمويل الحملات، فأنت خائن،
وإذا دعوت للمناظرة، قيل لك اسكت، نحن نعرف مصلحة الشعب.
ويتحول السياسي إلى زعيم قبيلة، لا يقبل النقد، ولا يعترف بفشل، وكأن الدولة ضيعته الخاصة، لا مسؤولية عامة.
بين الحاكم الخادم والحاكم المسلط؛
الفرق جوهري. في أوروبا، السياسي خادم عند الشعب، يُحاسب ويُنتقد ويُسقط بصندوق الاقتراع.
أما في بعض الدول، فـالسياسي يرى نفسه فوق الشعب، والكرسي غاية لا وسيلة، والمواطن مجرد تابع أو رقم يُستعمل عند الحاجة.
الانتخابات لا تصنع الديمقراطية إن لم تُرافقها ثقافة سياسية ناضجة، قائمة على:
احترام الرأي الآخر،
محاسبة السلطة،
تقديم الحلول لا رفع الشعارات،
ومنع التهديد والعنف ضد المفكرين والمنتقدين.
فمن أراد بناء وطن، فليبدأ من تربية الوعي، لا من شراء الولاءات.



