ما بعد إيران: صعود نموذج -القوة الوظيفية- وانحسار استراتيجية -الرمزية الردعية- في الإقليم

محمود الصباغ
كاتب ومترجم

يشهد الإقليم تحولات نوعية في موازين القوى، وفي طبيعة وشكل الفاعلية الجيوسياسية. فما نراه ليس تراجع إيران (ومحورها) وحسب، بل تآكل نموذج بأكمله بُني على تعبئة رمزية مديدة، وتدخل عبر الوكلاء، وخطاب عقائدي كبديل عن الشرعية السياسية والنجاعة العملياتية.
وفي المقابل هناك، ثمة، صعود لقوة “وظيفية” بديلة -ليست بالضرورة قوة عظمى، أو ذات مشروعية شعبية أو أخلاقية،- لكنها فعّالة ومنضبطة وتستجيب للطلب الدولي لتوفير خدمات ملموسة ومعلومات استخباراتية فورية لتضعها في مصلحة القوى العالمية، مثل حماية الممرات الدولية، والمشاركة في المراقبة الإلكترونية، وضمان استقرار أسواق الطاقة.
وقد تحولت هذه “القوة الوظيفية” من دولة “طارئة” إلى “مزوّد خدمات أمنية وجيوسياسية لمن يدفع، وبفضل امتلاكها لترسانة هائلة من التكنولوجيا وشبكات التأثير والنفوذ العابر للحدود، فقد باتت تقاس فعاليتها بقدرتها على لعب دور الوسيط بين واشنطن والخليج وآسيا الوسطى. متجاوزة الحاجة للشرعية أو الرمزية التقليدية
من ناحية أخرى، اعتمدت إيران، منذ ما بعد الثورة، على أجندة عمل ضمن ما يمكن تسميته “الاستراتيجية الرمزية الردعية”، القائمة على إنتاج خطاب “ثوري” رمزي عابر للحدود، واستخدام قوى غير نظامية لتصدير “الثورة”، إلى جانب اللعب على التناقضات الغربية لبناء تحالفات ظرفية، ناهيك عن استثمار “المظلومية التاريخية” للشيعة ضمن البيئة العربية “السنية”.
غير أن هذه الأجندة -اقرأها نموذج إن شئت- بدأت بالتفكك عند حدود ثلاث مستويات: التآكل المعنوي للنموذج بحد ذاته، وفقدانه القدرة على الاستمرار بسبب الانهاك الطويل والمتعدد الأبعاد. المستوى الثاني لتفكك النموذج يتعلق بخفوت جاذبية الخطاب “الثوري” الذي بات غير قادر على ترسيخ، بالأحرى إنتاج وإعادة إنتاج شرعية ثورية من أي نوع، بل على العكس أصبح هذا الخطاب مصدر قلق سواء في الداخل الإيراني أم في الخارج، لأسباب عديدة. أما المستوى الثالث فهو ما يمكن تسميته “الإنهاك العملياتي”، نتيجة ارتفاع الكلفة العسكرية والاقتصادية للانتشار عبر الوكلاء، التي أصبحت أعلى من قدرات إيران على تحملها.
إضافة إلى هذه العوامل، دخلت العقوبات الأوروبية، المفعّلة مؤخراً من قبل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، كعامل خارجي حاسم. فالعقوبات لم تعد مجرد قيود مالية، وإنما تحولا إلى أدوات تقيد قدرة إيران على تحويل مواردها لدعم الوكلاء ونشر النفوذ. ولعل تجميد الأصول وحظر التعاملات المصرفية وقيود تصدير التكنولوجيا الحساسة، زادت من حدة الإنهاك الاقتصادي وقلصت قدرة الدولة على دعم أجندتها الرمزية. مما دفع القيادة الإيرانية للتركيز على البقاء الداخلي وإدارة أزمات اقتصادية على حساب نفوذها الرمزي في الخارج.
وفي الوقت ذاته، عززت العقوبات قيمة “القوة الوظيفية” في الإقليم. فقد بات اللاعبون الدوليون والدول الأوروبية يعتمدون على جهات قادرة على تقديم خدمات عملية وموثوقة كما ذكرنا أعلاه.
لقد أدى تآكل أجندة عمل “الثورة” الإيرانية خلال نحو أربعين عاماً إلى انكشاف استراتيجي قاتل لفعالية الردع، قاد إلى ما نراه اليوم من انتقال المعركة إلى قلب النموذج بدلاً من الأطراف عبر هجمات إسرائيلية على الداخل الإيراني. وأسهم الصراع بين هذه الأطراف بتحويل الإقليم إلى “سوق جيوسياسي تنافسي”، ليخفت (أو يتلاشى تماماً) الحديث عن “محور مقاومة” و”محور اعتدال”.
لا ينبغي تأطير ما يحدث بـ”أفول إيران” فقط، بل بـأفول اللغة السياسية التي سيطرت على الإقليم منذ العام 1979. ونحن بحاجة- لفهم ما جرى وما سوف يجري- إلى لغة سياسية -استراتيجية جديدة، تعمل على تحليل الأدوار، وتفكك التحالفات، وتسائل “الشرعيات الثورية” الملتصقة بخطاب الممانعة وشيطنة التطبيع، وتستفهم عن معنى الاستقرار المرتبط بالتطبيع المبني على المنفعة قبل الهُوية. والسؤال الأكبر من يتصل بعلاقاته مع العالم؟ وليس من يرفضه دون الاستغناء عنه. فلم يعد اللاعبون يتصارعون على القيم بل على العقود، ومن يوفر الأمن، يحظى بالثقة، ومن يربط نفسه بسلاسل التوريد و القيمة العالمية، يدخل في الحماية الغربية، التي تعيد، بدورها، صياغة هذه القواعد: فهي تحدّ من قدرة اللاعبين التقليديين على استخدام الرمزية كوسيلة للنفوذ، وتعطي، في ذات الوقت فرصاً للجهات الوظيفية لتأكيد أهميتها.
في هذا الجحيم الاستراتيجي، لن ينجو سوى من يتقن فن الترجمة بين المطالب الدولية والاحتياجات المحلية، ويدرك كيف يحوّل النفوذ والقدرة الوظيفية إلى ضمان للبقاء والتأثير.

إرسال التعليق