المؤسسة القبلية هل تضعف حضور مؤسسات الدولة
يثير تأسيس الجمعيات والمنظمات والمنتديات أسس قبلية في الجزائر خاصة بولايات الجنوب يثير جدلاً واسعاً حول أثره على تماسك المجتمع والوحدة الوطنية، إذ يحمل في طياته جوانب إيجابية وأخرى سلبية قد تتباين بحسب السياق الاجتماعي والسياسي. فمن جهة، يمكن لهذه الكيانات أن تكون فضاءً للتضامن الداخلي بين أفراد القبيلة، حيث يجد الفرد دعماً مادياً ومعنوياً في مواجهة الأزمات والمناسبات المختلفة، كما تسهم في حفظ التراث المحلي وصون العادات والتقاليد التي تشكل جزءاً من الهوية الثقافية للمجتمع. هذا الدور قد يعزز المشاركة المجتمعية ويشجع على العمل التطوعي، بل قد يساعد أحياناً في حل النزاعات الداخلية بطرق عرفية سريعة وفعالة، مما يخفف الضغط على مؤسسات الدولة الرسمية.
لكن في المقابل، فإن تأسيس هذه الجمعيات والمنظمات على أسس قبلية قد يحمل مخاطر جدية على الوحدة الوطنية، إذ يكرس الانتماء الضيق ويضعف الهوية الجامعة التي يفترض أن تقوم على المواطنة والقانون. عندما تصبح القبيلة هي المرجعية الأساسية، يتراجع دور المؤسسات الرسمية ويضعف حضور الدولة، مما يفتح الباب أمام الانقسامات والتنافس غير الصحي بين المكونات الاجتماعية. كما أن هذه الجمعيات قد تؤدي إلى إقصاء الكفاءات إذا ما تم استبدال معيار الكفاءة والانجاز بمعيار الانتماء القبلي، وهو ما يضر بمسار التنمية والعدالة الاجتماعية. الأخطر من ذلك أن هذه الكيانات قد تتحول إلى أدوات سياسية تستغل الولاء القبلي لخدمة مصالح ضيقة، مما يهدد الاستقرار ويضعف الثقة في المؤسسات الوطنية.
إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الاستفادة من الإيجابيات التي توفرها هذه الجمعيات، مثل تعزيز التضامن وحفظ التراث، دون أن تتحول إلى وسيلة لتفتيت المجتمع أو منافسة الدولة. الحل الأمثل هو دمج البعد القبلي في إطار وطني جامع، بحيث يتم توظيفه في خدمة الهوية الوطنية وتعزيز المشاركة المجتمعية، مع ضمان أن تبقى الكفاءة والقانون هما المرجع الأساسي في إدارة الشأن العام. بهذا الشكل يمكن تحقيق التوازن بين احترام الخصوصيات المحلية والحفاظ على وحدة المجتمع والدولة، بما يضمن استقراراً وتنمية شاملة تعكس مصالح الجميع،تأسيس الجمعيات والمنتديات على أسس قبلية لا يقتصر أثره على الداخل فحسب، بل يمتد ليشكل مخاطر إضافية عندما تكون لهذه الكيانات امتدادات خارج الحدود الوطنية. فالعلاقات القبلية بطبيعتها تتجاوز الجغرافيا السياسية، إذ أن كثيراً من القبائل والعشائر تمتد عبر دول متعددة، ما يجعل أي تنظيم قبلي عرضة للتأثر بعوامل خارجية قد لا تخدم المصلحة الوطنية. هذا الامتداد يمكن أن يؤدي إلى ولاءات مزدوجة أو متناقضة، حيث يجد الفرد نفسه مرتبطاً بقبيلته في دولة أخرى أكثر من ارتباطه بمؤسسات بلده، وهو ما يضعف الانتماء الوطني ويهدد وحدة الدولة.
كما أن هذه الامتدادات قد تُستغل من قبل أطراف خارجية للتأثير في الداخل، سواء عبر دعم مادي أو معنوي أو حتى عبر أجندات سياسية وأمنية، مما يفتح الباب أمام التدخلات الأجنبية في الشأن الوطني. في بعض الحالات، قد تتحول هذه الجمعيات إلى قنوات لنقل الصراعات الإقليمية إلى الداخل، أو إلى أدوات لتغذية النزاعات بين المكونات المحلية، وهو ما يضاعف من خطورة الانقسامات ويهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
إضافة إلى ذلك، فإن وجود امتدادات خارجية قد يعزز من ظاهرة التهريب أو الاقتصاد الموازي، حيث تستغل بعض الشبكات القبلية الروابط العابرة للحدود لتسهيل حركة البضائع أو الأشخاص بعيداً عن رقابة الدولة، مما يضر بالاقتصاد الوطني ويضعف سلطة القانون. هذه المخاطر تجعل من الضروري أن تكون أي جمعية أو منظمة ذات طابع قبلي خاضعة لإطار قانوني وطني صارم، يضمن أن نشاطها يخدم المجتمع والدولة، لا أن يتحول إلى أداة لتفتيت الولاءات أو فتح ثغرات للتدخل الخارجي.
بهذا المعنى، فإن الجمعيات القبلية ذات الامتدادات العابرة للحدود قد تحمل في ظاهرها بعداً ثقافياً واجتماعياً إيجابياً، لكنها في العمق قد تشكل تهديداً مضاعفاً للوحدة الوطنية إذا لم يتم ضبطها وتوجيهها ضمن رؤية وطنية شاملة.
العربي بن صالح



