أهمية أذربيجان في الاستراتيجية الأمريكية

أحمد عزيز

من المنظور الجيوسياسي الأمريكي، تُمثل أذربيجان شريكًا استراتيجيًا محوريًا في أوراسيا. وبعد أن لعبت دورًا رئيسيًا في التوسط في اتفاق سلام تاريخي بين أذربيجان وأرمينيا المجاورة، يتعين على إدارة ترامب الآن إعادة تقييم سياستها الخارجية الأوسع تجاه هذه الدولة التركية لتعزيز علاقاتها مع أمريكا.

برزت أذربيجان، الدولة الوحيدة التي تحد روسيا وإيران، كنقطة محورية في تعميق المشاركة الاستراتيجية والاقتصادية للصين. بالنسبة للولايات المتحدة، تنبع الأهمية الجيواقتصادية لأذربيجان من موقعها كمورد أساسي للطاقة ومركز عبور يُنوّع الطرق العالمية، مع ترسيخ وصول الولايات المتحدة إلى آسيا الوسطى.

بعد يوم من توقيع الرئيسين دونالد ترامب وإلهام علييف ورئيس الوزراء نيكول باشينيان اتفاقية “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” (TRIPP) عبر جنوب أرمينيا، حذّر مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشؤون الخارجية، علي أكبر ولايتي، من أن طهران ستمنع أي ممر تدعمه الولايات المتحدة في القوقاز، واصفًا “TRIPP” بأنها “مقبرة لمرتزقة ترامب”.

في مقابلة مع قناة العربية في 27 أغسطس/آب، أشار علييف إلى أنه بعد انهيار الإمبراطورية الروسية عام 1917، أسس الأذربيجانيون جمهورية أذربيجان الديمقراطية، التي استمرت حتى أبريل/نيسان 1920، عندما ضمها الاتحاد السوفيتي. على مدار الأشهر الستة الماضية، زار علييف الصين مرتين، حيث التقى شي جين بينغ في 23 أبريل/نيسان في بكين للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية شاملة، ومرة أخرى في 31 أغسطس/آب على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين.

تكشف هذه التطورات مجتمعةً عن آمال وتهديدات في آنٍ واحد لمصالح الولايات المتحدة في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى.

فيما يتعلق بإيران، تُعدّ أذربيجان شريكًا استراتيجيًا طبيعيًا لواشنطن. فبصفتها دولة علمانية ذات أغلبية شيعية على الحدود الشمالية الغربية لإيران، لطالما عارضت الجمهورية الإسلامية، على الرغم من أن القيود الإقليمية حدّت تاريخيًا من فعاليتها كقوة موازنة.

إلا أن انتصار أذربيجان في حرب عام 2020 مع أرمينيا غيّر ميزان القوى في جنوب القوقاز، مما عزز نفوذها الإقليمي. والأهم من ذلك، أن انتكاسات إيران الأخيرة في صراعها مع إسرائيل قد أتاحت لباكو فرصةً سانحةً لتكون شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة في إدارة جارٍ من المرجح أن يظل تحديًا لسنوات قادمة.

وبالمثل، يُمثل تدهور العلاقات بين أذربيجان وروسيا فرصةً ثمينةً لواشنطن للاستفادة منها. فرغم معارضتهم للإيرانيين، حافظ الأذربيجانيون على علاقة وثيقة مع الروس. بدأت الأمور تتغير مع نتائج حرب ناغورنو كاراباخ الثانية، التي أبرزت مدى تراجع نفوذ موسكو في محيطها الجنوبي. وفاقمت الحرب في أوكرانيا الأمور بالنسبة للروس، وساعدت في تفسير سبب تزايد حزم باكو تجاه موسكو، وهو ما اتضح جليًا منذ التوبيخ اللاذع الذي وجهته حكومة علييف بعد إسقاط طائرة تجارية أذربيجانية فوق الأراضي الروسية في ديسمبر الماضي، مما أسفر عن مقتل 38 راكبًا وطاقمًا.

منح هذا التحول في الأحداث على جانبيها الشمالي والجنوبي أذربيجان فرصةً استراتيجيةً لترسيخ مكانتها كجسر بري بين الغرب والشرق. ويُعدّ ممر تريب محوريًا لحل مشكلة جنوب القوقاز في طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين الأوسع، والمعروف أيضًا باسم الممر الأوسط، والذي يوفر لأوروبا وأمريكا الشمالية إمكانية الوصول إلى آسيا الوسطى. في الوقت نفسه، ستستفيد الصين من اتفاقية تريب، إذ تُمثل حلقة وصل حيوية عبر بحر قزوين لمبادرة الحزام والطريق الصينية. يُبرز هذا التقارب في المصالح أهمية أذربيجان المتزايدة كمركز للتواصل الأوراسي والتجارة العالمية.

للاستفادة من ضعف روسيا وإيران، مع منع الصين من اكتساب ميزة تنافسية، يجب على واشنطن مراجعة نظرتها للسياسة الخارجية تجاه باكو. لا تزال المادة 907 من قانون دعم الحرية لعام 1992 تُشكل عائقًا رئيسيًا أمام التقدم. هذا البند القانوني القديم، الذي سُنّ في الأصل خلال نزاع ناغورنو كاراباخ الأول، يحظر معظم أشكال المساعدة الحكومية الأمريكية المباشرة لباكو. في ضوء اتفاقية السلام مع أرمينيا التي سهّلتها إدارة ترامب، أصبحت المادة 907 غير ذات جدوى.

لا تزال المادة 907 سارية المفعول، ولا تزال تُشكل عقبة أمام المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية الأمريكية في أوراسيا.

أ- ويستحق الإلغاء الفوري. على الرغم من التحول الجذري في المشهد الجيوسياسي لجنوب القوقاز، لا يزال البعض يدعو إلى الإبقاء عليه. ومع ذلك، فإن الإبقاء على المادة 907 يخدم في المقام الأول مصالح روسيا وإيران والصين، وجميعها حريصة على استغلال أي خلاف في العلاقات الأمريكية الأذربيجانية. وبالمثل، فإن بكين ليست مستعدة فقط للاستفادة من السلام بين أذربيجان وأرمينيا من حيث الربط الإقليمي، بل إنها تزود باكو بالفعل بمقاتلاتها من طراز JF-17 من الجيل 4.5 عبر باكستان.

لا يوجد سبب يمنع أذربيجان من شراء المعدات الأمريكية بدلاً من ذلك. للمقارنة، طلبت الخطوط الجوية الأوزبكية ما يصل إلى 22 طائرة بوينج 787 دريملاينر، بقيمة 8 مليارات دولار، بينما وقعت شركة السكك الحديدية الوطنية الكازاخستانية عقدًا بقيمة 4 مليارات دولار مع شركة Wabtec الأمريكية لشراء 300 قاطرة شحن.

تتمتع الشركات الأمريكية بفرص عديدة في أذربيجان، لا سيما في قطاع الطاقة، حيث تُعد البلاد مُصدرًا رئيسيًا للنفط والغاز. علاوة على ذلك، يمكن لأذربيجان أن تُشكّل طريق عبور رئيسي للنفط الكازاخستاني والغاز التركماني، مما يُساعد على تقليص نفوذ روسيا في مجال الطاقة في المنطقة، نظرًا لاحتكارها طرق الإمداد.

لذلك، من الضروري أن يبني البيت الأبيض بقيادة ترامب على زخم اتفاقية تريب. يعتمد نجاح الاستراتيجية الأمريكية في أوراسيا على تعميق العلاقات مع أذربيجان. ويتطلب الأمر اتخاذ إجراءات عاجلة، إذ حققت بكين بالفعل تقدمًا ملحوظًا في المنطقة. ويُعدّ إلغاء المادة 907 خطوة أولى حاسمة نحو تأمين المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية الأمريكية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك