أسرار المقاهي

  • منقول

المقهى عندنا ليس مقهى بالمعنى الدقيق للكلمة،
انه مكان اداري اقتصادي تجاري، تعقد فيه اعقد الصفقات بشكل غير رسمي،
هناك يجلس أناس ألقي بهم خارج أسوار النظام الرسمي،
لكنهم لم يسقطوا بعد من إنسانيتهم،
إنهم هناك، ينتظرون شيئا لا يسمونه،
يتحدثون عن مشاريع لا تسجل في أي دفتر،
ويوقعون اتفاقات لا تمر عبر الدولة، بل عبر نظرة، أو ثقة،
أو سيجارة تشعل بين اثنين.
من يمر أمام المقهى يظنهم بطالين، كتسربين،
يضيعون الوقت بلا فائدة،
لكنه لا يرى أن كل واحد منهم يحمل داخله علما وخبرة وتجربة لا تجدها في مكان آخر،
لكن الزمن لم يمنحه مكتبا رسميا،
لابراز مهاراتهم،
المقهى هو المكتب الذي لا يحتاج إلى رخصة،
والجامعة التي لا تمنح شهادات،
والسوق الذي لا يراقبه أحد.
هؤلاء الناس يعيشون خارج القانون، ولكن بطريقة أكثر صدقا من أولئك الذين يخدعونك باسمه،
هم يخلقون نظامهم الخاص، علاقاتهم الخاصة، اقتصادهم الرمزي،
إنهم نخبة البروليتاريا ان صح القول،
خبراء في القانون والاقتصاد والإدارة و التجارة ….
مستشارين بأخفض الأسعار،
كما لديهم علاقات في مختلف مؤسسات الدولة،
مع القضاة، مع مدراء الضرائب و البنوك،
مع ضباط الأمن و مدير المستشفى….
علاقات نسأت بحكم خبرتهم الطويلة في الميدان،
و هم يمارسون مهاراتهم على الطاولة الصغيرة هناك في المقهى،
كنت أحد منهم بعد ايام الكوفيد19،
لهذا ارى نظرتكم السائدة حول المقهى سطحية جدا،
كنت مستشارا سياحيا بلا مكتب، بلا سكرتيرة، بلا ختم رسمي،
مختص في حجز مواعيد التأشيرة، الحجز الفندقي، تأمين السفر،
و اقدم نصائح و ارشادات ترفع من نسبة حظك للحصول على تأشيرة،
مجال عليه طلبات كثيرة و العرض نادر جدا،
زبائني يأتون من السوشيال ميديا إلى المقهى،
نتحادث عن الاجراءات، عن جميع الاحتمالات،
ثم نفترق وكل منا يعرف أن الاتفاق تم دون ورق،
ودون توقيع.
إنها الثقة،
تلك العملة القديمة التي أضاعها العالم الحديث،
اما صاحب المقهى،
كان يفرح كثيرا بوجودنا لساعات عنده،
عكس ما تعتقدونه،
بل كان يعاملنا بأفضلية نوعا ما مقارنة بالزبائن العاديين،
لسبب بسيط، كنا نأتي له بالزبائن من أطراف الدنيا من الخارج،
إن المقهى عندنا ليس مكانا لتضييع الوقت،
بل هو محاولة المتمردين على المنظومة في الابداع،
وسط نظام لا يعترف إلا بما هو موثق، مختوم، موقع،
مصادق عليه من طرف موظف تافه و حقود خلف المكتب الحكومي..

إرسال التعليق