الخطة الأمريكية قد توقف الحرب في غزه… لكنها لا تصنع سلاما


الخطة الأميركية التي أُعلنها الرئيس ترامب، بزعم وقف العدوان وتهيئة الظروف لتسوية شاملة، جاءت في
واقع الأمر، استجابة للضغوط العالمية المتزايدة، لا كنتيجة لاقتناع حقيقي بوجوب إنهاء المأساة الإنسانية من
قبل اسرائيل وشريكتها الولايات المتحدة. وإذ بدت في ظاهرها مبادرة لوقف النار، فإن مضمونها الفعلي يعيد
إنتاج المعايير الإسرائيلية ذاتها، التي تختزل القضية الفلسطينية في مجرد “ملف أمني”، وتتجاهل جذور
الصراع المتمثلة في الاحتلال، والاستيطان، والتهجير، وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
1) فاشية الاحتلال ترفض وقف القتل:
منذ اللحظة الأولى لإعلان الخطة الاميركية، توهّم كثيرون، على المستوى العالمي، أن الاحتلال الإسرائيلي
سيظهر التزاما جادا يفضي إلى وقف مسلسل القتل الجماعي، خصوصا في ظل التصريحات الأميركية
المتكررة بأن “الحرب قد انتهت”. غير أن الواقع الميداني سرعان ما أثبت العكس: فآلة القتل لم تتوقف،
والعدوان اتخذ أشكالا جديدة من القصف المتواصل، والحصار الخانق، ومنع إدخال المساعدات، في تحد فاضح
لكل المواثيق الإنسانية. وهذا السلوك يعكس، بوضوح، طبيعة النظام الفاشي الذي يحكم إسرائيل، والذي يرفض
أي التزام سياسي أو قانوني.
إن التجربة التاريخية مع اسرائيل تثبت أننا أمام قوة احتلالية واستعمارية لا تعبأ بقرارات الأمم المتحدة، ولا
بالمواقف الدولية، ولا حتى بأحكام المحاكم والقرارات الدولية. فكل يوم يمر يكشف مزيدا من غطرستها
وهمجيتها واستخفافها بالمجتمع الدولي الذي ما زال يكتفي بالبيانات والمناشدات، دون ممارسة ضغط حقيقي.
وعليه، فإن المنظومة الدولية بكل مكوناتها مطالبة اليوم برفع مستوى ضغطها السياسي والقانوني والاقتصادي
على إسرائيل، لإجبارها على وقف الحرب نهائيا، واحترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني.
2) محاولات إسرائيلية للهروب من العزلة:
لقد كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق مماثل للخطة الأميركية قبل أكثر من عام، لولا تعمد حكومة نتنياهو،
بشراكتها مع رموز الفاشية الدينية من أمثال سموتريتش وبن غفير، إفشال كل المبادرات الدولية. واليوم، بعد
أن تعمقت عزلة إسرائيل على المستوى الدولي، يحاول قادتها استخدام استمرار المجازر في غزة وسيلة
للضغط المعاكس، للهروب من واقع الانكشاف الأخلاقي والسياسي، ولإعادة فرض روايتهم المضللة عن “حق
الدفاع عن النفس” في مواجهة شعب أعزل محاصر. لكن العالم لم يعد يصدق هذه الأكاذيب، بعدما انكشفت
حقيقة إسرائيل كنظام عنصري استيطاني يتوسل المجازر والدم لتحقيق أطماعه في الضم والتهجير وإقامة ما
يسمى بـ “إسرائيل التلمودية الكبرى”.
3) نتنياهو: إفراغ الخطة من محتواها:
عبّر رئيس الفاشية الإسرائيلية (نتنياهو) بوضوح عن نواياه تجاه الخطة الأمريكية، لجهة الإصرار على
مواصلة حرب الإبادة وإفراغ المفاوضات من محتواها لخدمة أهدافه. إن مناوراته الدموية في غزة تعكس أزمة
مزدوجة:

  • إرضاء الحلفاء المتطرفين: محاولة إرضاء سموتريتش وبن غفير بإدارة المفاوضات تحت النيران.
  • التفلت من الضغوط: محاولة إرضاء الرئيس ترامب بشكل أو بآخر.
  • الثمن يدفعه المدنيون: في كلتا الحالتين، المدنيون في غزة هم من يدفعون الثمن الأغلى.
    4) التلاعب بالدم الفلسطيني:

إن هذا التلاعب بالدم الفلسطيني، بين الولايات المتحدة واسرائيل، عبر خطاب “سلام” معلن، ومجازر متواصلة
على الأرض، يعكس سوء النية المسبق لدى إسرائيل، وتراخي الإرادة الأميركية في إلزامها بوقف العدوان.
وهذا يثير شكوكا من قبل شعبنا وجميع دول العالم، حول:

  • صدقية حكومة الاحتلال: مدى جديتها في الالتزام بالخطة الامريكية.
  • نزاهة الوسيط الأمريكي: الذي يؤكد تاريخه في فلسطين والمنطقة افتقاره للحياد وانحيازه الدائم لصالح
    العدوان والغطرسة الإسرائيلية.
    5) خرق الاتفاق وحرب التجويع:
    منذ اللحظة الأولى لموافقة الفصائل الفلسطينية على الخطة الأميركية، تم التأكيد للوسطاء أن التعامل معها لا
    يمكن أن يكون كحزمة واحدة. فبعض البنود إنساني الطابع ويستوجب التطبيق الفوري، مثل إطلاق سراح
    الأسرى، وإدخال المساعدات بشكل عاجل، والانسحاب. أما الملفات الأكثر تعقيدا، مثل تسليم جثامين الأسرى
    الإسرائيليين، فهي تتطلب مفاوضات خاصة، في ظل حالة الدمار الشامل التي تعيق العثور على آلاف الجثامين
    الفلسطينية. وكان الأجدر بالمجتمع الدولي أن يدين محاولات إسرائيل استغلال هذه التعقيدات للتهرب من
    استحقاقات الانسحاب الدائم من القطاع، والتهديد المستمر بالعودة إلى الحرب كلما واجهت ضغوطا سياسية أو
    قانونية.
    ان التزام الفصائل الفلسطينية الكامل بتطبيق المرحلة الأولى من الخطة، قوبل بتصعيد إسرائيلي أسفر عن
    استشهاد عشرات المدنيين، واستمرار سياسة التجويع. وعليه، نجدد التأكيد على حق شعبنا في غزة بتقرير
    مصيره ومستقبله الوطني في اطار الكل الفلسطيني، وعبر تشكيل هيئة وطنية من أبناء القطاع لإدارة شؤونه
    في مرحلة التعافي، بمرجعية م. ت. ف وبالتنسيق مع الحكومة الفلسطينية. ونرفض رفضا قاطعا أي شكل من
    أشكال الانتداب أو الوصاية الدولية.
    6) لا سلام دون إنهاء الاحتلال:
    إن الخطة الأمريكية تسعى إلى إنهاء الحرب في قطاع غزه، وفقا للمعايير الإسرائيلية، لكنها لا تسعى لصنع
    سلام دائم وحقيقي في المنطقة. وعلى دول العالم، خاصة الداعمة لإسرائيل، تجنب تكرار أخطاء الماضي
    بتجاهل السبب الحقيقي للصراع وهو: الاحتلال الإسرائيلي. كما ان الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا
    من خلال حقائق باتت واضحة لكافة دول العالم ومنظماته واطره المختلفة، وفي مقدمتها:
  • الاعتراف الواضح والصريح بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، كما نصت عليها القرارات
    الادولية.
  • استعادة وحدة أراضي دولة فلسطين بين الضفة الغربية والقطاع، ورفض اي فصل بينهما.
  • رحيل الاحتلال ومستوطنيه وتفكيك الاستيطان.
  • قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، بإقليم جغرافي موحد دون عوائق أو حواجز.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك