الوطن والدولة والعلاقة الجدلية بينهما

كامل عباس

نشر الأستاذ حسين الشرع مقالا في مجلة المجلة بتاريخ 23/10/2025 تحت هذا العنوان – الوطن والدولة والعلاقة الجدلية بينهما –
سُررت جدا بقراءة هذا المقال لما يحمل من قيم وأصالة وأخلاق وتعلق بمسقط الرأس الذي أخذ تاريخيا اسم الوطن وما تبعه في فترة طفولته ومراهقته من زكريات . وهو على حد وصف الكاتب الجميل( المكان الذي يرتبط به الإنسان روحيا وثقافيا وجغرافياً. وهو ليس مجرد قطعة من الأرض، بل هو المكان الصغير والمتسع الذي يعيش وينشأ فيه الإنسان، ويشعر بالانتماء إليه، ويشمل قضايا مادية وأخرى معنوية…).
وإذا كان مفهوم الوطن في هذه الدراسة ينطلق من الأخلاق فان القسم الثاني حول مفهوم الدولة كان أعمق من قسم مفهوم الوطن وأكثر منطقية.
الدولة بعرف الكاتب (هي البناء الفوقي الذي تقرره حاجات المجتمع ومن اهم خصائصها وجود دستور سليم يراعي مصالح الشعب) أبدع الأستاذ في شرح خصائص الدولة الحديثة التي تفصل بين السلطات الثلاث, لكن هذه الفقرة أعجبتني أكثر لحاجة الدولة السورية إليها حاليا:
(الأحزاب وتأسيسها لا يكون اعتباطيا، وإنما لا بد من قانون ينظم عملية تأسيس الأحزاب، لأن الأحزاب جزء أصيل من مكونات الدولة الحديثة، وأن تكون حركة الأحزاب وتشكيلها منظمة ضمن القانون، ولا تجوز مصادرة الصحف الحزبية أو الاعتداء عليها إلا ضمن ضوابط قانونية، وملحقاتها التنفيذية.)
من الوطن الى الدولة,
بكل أسف لم يكن مفهوم الوطن حاضرا بداية تطور الجنس البشري , كانت المجتمعات آنذاك تتشكل من امبراطوريات لا حدود لها تتسع أو تتقلص حسب قوة الأمبراطورية وتحديدا قوتها العسكرية – وما في جعبتها من سلاح- وإذا وُفِقت إحدى الإمبراطوريات باختراع سلاح جديد كانت تتغلب على منافسيها وربما أدى ذلك الى ان تتفتت الامبراطوريات القديمة ذات الأسلحة العتيقة لتخلي الساحة الى أمبراطوريات جديدة امتلكت أسلحة أمضى ,لا بل ان بعض الأمبراطوريات القديمة اندثر كليا مثل امبراطورية المغول- وهي الأكبر في العالم من حيث تعدادها وقد دامت من عام 1206م الى عام 1405م-
لنأخذ مثالا الإمبراطورية العثمانية التي ضّمت شعوب مختلفة واثنيات وعرقيات واديان وطوائف متعددة ولم تعرف معنى الوطن الا بعد سقوط الامبراطورية وعلى يد الضابط مصطقى كمال المّلقب بـالأتاتورك وترجمتها الى العربية هي( أبو الشعب التركي ) .
ظهرت أوائل الأوطان على يد اتفاق وستنفاليا وما تلاه من عصبة الأمم المتحدة وتحديد حدود لكل تجمّع بشري لا يجوز تجاوزه من الجيران ولكن العصبة لم تتمكن من إيقاف الحروب التي تنشأ من اجل الاستئثار بخيرات الطبيعة وقد جرى بعد عصبة الأمم حربان عالميتان أُذهِقت فيهما ملايين الأرواح البريئة, لتتشكل بعد انتهاء الحرب هيئة ألأمم المتحدة, والأدق ان يقال هيئة الدول المتحدة وليس الأمم المتحدة – وتوضيح ذلك يحتاج الى مقال طويل- وقد كانت الهيئة متفائلة وتعتبر ان الحرب العالمية هي آخر الحروب بين الإنسان وأخيه الإنسان ولكن حليمة عادت الى عادتها القديمة – كما يقول المثل- فقد عادت الإمبراطوريات للظهور في قريتنا الكونية الجديدة والحروب مشتعلة بين تلك الامبراطوريات في أكثر من مكان , مع فارق يتجسد في ان الأمبراطوريات القديمة كانت تعتمد على التوسع العسكري والسيطرة المركزية بينما تعتمد الأمبراطوريات الحديثة أشكال مختلفة من السيطرة والنفوذ مع التركيز على القوة الناعمة .
انتهى المقال بالفقرة التالية
((أضف لكل ما تقدّم شيوع الفساد في أركان الدولة، واعتبار الدولة مزرعة للنافذين وأصحاب الحظوة والنفوذ، وأن الدولة التي يستشري فيها الفساد تكون بالتأكيد فاشلة وغير قادرة على الوفاء بحاجات ومتطلبات المجتمع. ولكل الأسباب إياها وغيرها، لا زلنا نرى أن الكثير من هذه الدول لا زالت غير قادرة على إطعام شعبها رغم وجود الأراضي والمياه واليد العاملة، وغير قادرة على إيجاد صناعات الدفعة القوية التي تدفع بالاقتصاد الوطني نحو تحقيق نهضة زراعية وصناعية وخدمية معقولة. وفي تقديرنا المتواضع، ينتج كل ذلك عن فساد الإدارة وتخلفها وعدم تطورها.
أعتقد شخصيا ان هذه الفقرة أضعف من كل الفقرات السابقة.
الفساد يا أستاذي سببه الأساسي غياب العدالة الاجتماعية ,وكلّما كانت ثروة الأغنياء تزداد على حساب الفقراء تضاعف الفساد وكلما ارتفعت حصة الفقراء من الثروة الاجتماعية في بلد ما اضمحل الفساد فيه, الفساد كما يقول الروائي اللبناني امين معلوف – العزيز على قلب الكاتب وقلبي معا – سمة من سمات المجتمعات الطبقية – ولا بّد أنك قرأت كتابه الأخير – اختلال العالم- والذي أنهاه حرفيا كما يلي : ليس هناك أقدس من احترام الكائن البشري . ان التاريخ الذي ولّى زمانه والذي يجب أن يُختم هو تاريخ البشرية القَبلي المكّون من قبائل كروية .
ختاما أتمنى ان يتحفنا الأستاذ حسين بتتمة للموضوع تتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة .وأعتقد أن معالجة هذا الموضوع مفيدة جدا للحظة التي تمّر بها سوريا أكثر من التنظير حول الوطن والدولة والعلاقة الجدلية بينهما, واذا فعل ذلك سأكون من أوائل من يقرأ الموضوع ويبدي ملاحظاته عليه.

إرسال التعليق