رائحة الموت في الفاشر… حين يختبر الله ضمير العالم

إسلام حافظ
كاتب وباحث مصري

الفاشر اليوم ليست مدينة، بل جرح مفتوح على وجه الإنسانية، نازفٌ في صمتٍ مطبق، يختبر صبر الأرض واتساع السماء على ما يفعله البشر ببعضهم. من يقف على أطرافها لا يرى سوى الغبار، لكن من يقترب يشم رائحة لحمٍ محترق، ودمٍ تَخثّر فوق التراب، وصدى بكاءٍ مكتومٍ يتسلل من بين الجدران. الفاشر، التي كانت ذات يومٍ عاصمة التاريخ والكرم في دارفور، صارت الآن عاصمةً للموت، وساحةً يتفرج فيها العالم على أبشع صور الانحطاط الإنساني دون أن يطرف له جفن.

قوات الدعم السريع لا تكتفي بالسيطرة، بل تمارس القتل وكأنه عملٌ مقدس، تؤديه ببرودٍ كبرود الحديد في يد الجزار. تُعدم الرجال ميدانيًا، وتغتصب النساء أمام ذويهن، وتسرق الممتلكات كما لو أنها تغنم من مدينة عدوة، لا من وطنها. لم يعد القتل هناك حادثًا عابرًا، بل تحوّل إلى نظام حكمٍ جديد تُدار به المدينة. في كل بيتٍ قصة مأساة، وفي كل شارعٍ جثة لم تجد من يواريها. الموت في الفاشر ليس حدثًا، بل هو مناخ، هواءٌ يتنفسه الناس قسرًا، وماءٌ تلوّث بدم الأبرياء.

في بعض الأحياء، يُسمع صراخ النساء ليلًا حين تقتحم الميليشيات المنازل بحثًا عن “أعداءٍ متخيلين”. يُفصل الرجال عن النساء، يُربطون خلف الشاحنات، وتُطلق الرصاصات في الوجوه البريئة بلا تردد. الجثث تُترك ملقاةً في الطرقات لتتحلل تحت الشمس، كرسائلٍ صامتة تقول: لا حياة هنا إلا لنا. هناك، في قلب المدينة، يتجول الرعب علنًا، لا يخفي نفسه، فقد صار القانون الوحيد الذي يُطاع.

والعالم؟ يقف متفرجًا، متأنقًا بلغة الدبلوماسية الباردة: “نراقب الوضع بقلق”. أيُّ قلقٍ هذا الذي لا يمنع الموت؟ أيُّ مراقبةٍ هذه التي لا ترى؟ كيف يُمكن أن تتحول الإبادة إلى خبرٍ ثانويٍّ في نشرات الأخبار؟ يُباد ربع مليون إنسان في الفاشر، وتغرق المدينة في الدماء، بينما تنشغل الشاشات بأخبار المشاهير والأسواق والبورصات. هذه ليست لا مبالاة، بل تواطؤ من نوعٍ آخر — تواطؤ الصمت، تواطؤ العجز، تواطؤ الإنسانية المزيفة التي تفرّق بين دمٍ ودم.

في الفاشر، اختفى مفهوم “الأمان”، وصار البقاء نوعًا من المعجزة اليومية. من ينجو اليوم، لا يضمن غدًا. ومن فقدَ أهله، لا يجد حتى فرصة الحداد. الأطفال يركضون حفاةً بين الأنقاض بحثًا عن ذويهم، والنساء يدفنّ أبناءهن بأيدي مرتجفة، ثم يهربن إلى العراء، لا إلى النجاة، بل إلى احتمالٍ آخر للموت. في هذه المدينة، تُقاس الحياة بالصدفة، ويُختبر الإيمان بمعناه الأعمق: أن تصمد رغم أنك تعلم أن لا أحد سيأتي لإنقاذك.

قوات الدعم السريع لم تكتفِ بسفك الدماء، بل مارست إذلالًا منهجيًا للمدنيين. نهبت الأسواق والمخازن، وأحرقت المستشفيات، وحولت المدارس إلى ثكناتٍ عسكرية. كل ما يدل على الحياة يُدمر عمدًا — كأن الحرب لا تريد القضاء على البشر فقط، بل على الذاكرة ذاتها. الناس يفرّون من الفاشر جماعاتٍ، لكن الهروب لم يعد نجاة، فكل الطرق مغلقة، وكل اتجاهٍ يحمل رائحة الخطر. أصبحت المدينة جزيرةً معزولة وسط بحرٍ من النار، لا طعام، لا دواء، لا أمل.

إن ما يحدث في الفاشر ليس مجرد جريمة، بل امتحانٌ للبشرية جمعاء. العالم الذي يزعم أنه تعلم من مآسي رواندا والبوسنة ودارفور الأولى، يعيد الآن المشهد نفسه دون خجل. الأمم المتحدة تصدر بياناتها الباردة، والمنظمات الدولية تكتفي بـ”الإدانة”، فيما تستمر المجازر، ويستمر النزيف. وكأن الإنسان لم يتطور إلا في أدوات القتل، لا في ضميره.

الفاشر ليست مجرد مدينة تُباد، بل مرآة كونية تكشف حقيقة العالم حين يتعرى من شعاراته. فيها ترى كيف يسقط القانون أمام فوهة البندقية، وكيف يتحول الإنسان إلى “رقمٍ ناقص” في تقارير الأمم المتحدة، وكيف يمكن للشر أن يصبح عاديًا حين يُمارس بكثرةٍ كافية. لا شيء يصفح عن هذا الصمت، ولا شيء يبرر عجز العالم الذي يملك كل الوسائل لوقف المجزرة، لكنه لا يملك الإرادة.

هناك في الفاشر، طفل يحمل دميته المحترقة وينظر إلى السماء متسائلًا: “هل نحن منسيون حتى في رحمتك؟”
وسيدة تهمس وهي تُغطي جثة زوجها بقطعة قماشٍ ممزقة: “قل لهم أننا كنا بشرًا.”
وفي مكانٍ آخر، جنديٌّ من الدعم السريع يلتقط لنفسه صورةً بجوار جثثٍ متفحمة، يضحك، كأنما يحتفل بإنجازٍ بطولي. هكذا تُختصر المأساة: موتٌ يُمارس بفخر، وصمتٌ يُبرَّر بالعجز، وعالمٌ يراقب من وراء الشاشات.

كل شيء في الفاشر ينطق بالفقد: البيوت، الشوارع، الهواء، حتى الطيور هجرت سماءها. المدينة التي كانت تنبض بالحياة صارت شاهدةً على انقراض المعنى الإنساني. وما لم يتحرك العالم اليوم، فستكون الفاشر نذيرًا بما هو أفظع: لحظةً يُقتل فيها الإنسان في أي مكان، ولا أحد يعود يهتم.

الفاشر لا تطلب معجزة، بل عدالة. لا تبحث عن دموعٍ أو تضامنٍ موسمي، بل عن ضميرٍ حيٍّ يصرخ في وجه القتلة. لأن ما يُرتكب هناك ليس ضد السودانيين وحدهم، بل ضد جوهر الإنسان. حين تُغتصب النساء في العلن ويُعدم الرجال أمام أطفالهم، فهذه ليست حربًا — بل انتحار أخلاقي للعالم.

وفي النهاية، لن يسأل التاريخ فقط: من قتل؟ بل سيسأل أيضًا: من صمت؟ من شاهد ولم يتكلم؟ من عرف ثم تظاهر بالجهل؟ لأن الفاشر لم تُباد بالسلاح وحده… بل بالصمت، بالخوف، باللامبالاة، وبالخيانة الكبرى التي ارتكبها ضمير العالم حين قرر أن يشيح بوجهه.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك