فنزويلا في مرمى الأطماع الأمريكية
ضيا اسكندر
من يقرأ تاريخ الصراع بين الولايات المتحدة وفنزويلا، يدرك أنه نزاعٌ ممتدّ الجذور، يتجاوز حدود الخلاف السياسي بين نظامين مختلفين في التوجّه، ليتحوّل إلى فصلٍ متجددٍ من حكايةٍ عنوانها: الهيمنة والرفض. فمنذ أن صعد هوغو تشافيز إلى السلطة، معلناً تمرّده على الوصاية الأمريكية، دخلت كاراكاس وواشنطن في مواجهةٍ مفتوحة لم تهدأ حتى اليوم.
الولايات المتحدة، التي اعتادت أن تتعامل مع أمريكا اللاتينية كـ “حديقتها الخلفية”، وجدت في تشافيز زعيماً يخرج عن النص ويغلق الباب أمام نفوذها الاقتصادي والسياسي. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف واشنطن عن دعم المعارضة الفنزويلية تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما كانت في العمق تسعى لإعادة رسم خريطة السلطة بما يضمن مصالحها في بلدٍ يطفو على بحرٍ من النفط.
ومع رحيل تشافيز وتولّي نيكولاس مادورو، ظنّت واشنطن أن صفحة “البوليفارية” قد طُويت، لكنها فوجئت بزخمٍ شعبيٍ لا يزال يلتف حول النظام رغم الأزمات والعقوبات القاسية.
وفي عهد دونالد ترامب تحديداً، بلغت شهية الولايات المتحدة أقصاها، إذ لم يُخفِ الرئيس الأمريكي السابق أطماعه، بل جاهر بها علناً: تحدث عن رغبته في شراء جزيرة غرينلاند من الدنمارك، وأبدى إعجابه بنموذج بنما وكيف تحولت إلى “غنيمة أمريكية”، ولوّح بابتزاز دول الخليج العربي مقابل الحماية، بل ذهب أبعد حين تحدث عن مشاريع استثمارية في غزة تحت عنوانٍ مضلل: “موناكو فلسطين”، في إطار رؤيةٍ تحوّل الجغرافيا إلى سلعةٍ والسياسة إلى صفقة.
وفي خضم هذه الذهنية التجارية الفجّة، كانت فنزويلا بالنسبة إليه “الصفقة الكبرى” المؤجلة. بلدٌ يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، وموارد طبيعية هائلة من الذهب والغاز والمعادن، لكنه عاجز عن استثمارها كما يجب.
في حقبة هوغو تشافيز، شهدت فنزويلا طفرة نفطية غير مسبوقة أغدقت المليارات على خزائن الدولة، واستُثمر جزءٌ كبير منها في برامجٍ اجتماعية حسّنت حياة الفقراء ووسّعت قاعدة التعليم والرعاية الصحية والإسكان، فانعكس ذلك في شعبيةٍ واسعة تُرجمت إلى فوزٍ متكرر في انتخاباتٍ ديمقراطية شهد بها المراقبون الدوليون. ومع ذلك، لم تخلُ التجربة من إخفاقاتٍ واضحة؛ إذ غابت عنها الرؤية الاقتصادية المستدامة، فطغى الإنفاق السخي على التخطيط، واستمرّ الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدرٍ وحيد للدخل. وحين تراجعت الأسعار عالمياً، ظهرت هشاشة البنية الاقتصادية، فانهارت العملة الوطنية وتضخمت المديونية، وتبدّد جزء من الثروة في مشروعاتٍ خارجية لم تؤتِ ثمارها المنتظرة.
ثم جاءت حقبة مادورو لتضاعف الجراح. فالعقوبات الأمريكية الخانقة كشفت هشاشة الاقتصاد المحلي، ودفعت الملايين إلى الفقر المدقع. تحوّل البوليفار إلى ورق بلا قيمة، وأصبح التضخم يُقاس بالأيام لا بالسنوات. في بلدٍ يملك ثرواتٍ نفطية تكفي لإغناء نصف القارة، يقف المواطن اليوم في طوابير طويلة للحصول على الخبز أو الوقود، فيما يهاجر الآلاف يومياً عبر الحدود إلى كولومبيا والبرازيل بحثاً عن حياةٍ أقل قسوة.
المدارس تفتقر إلى الكهرباء، والمستشفيات إلى الدواء، والطبقة الوسطى التي كانت يوماً عماد المجتمع الفنزويلي تآكلت حتى الذوبان.
كل ذلك لا يُلغي أن واشنطن تتحمل نصيبها الأكبر من الحصار والتجويع المتعمّد، لكنه لا يُعفي الحكم الفنزويلي من سوء الإدارة وتغليب الولاء السياسي على الكفاءة الاقتصادية. فالشعارات الثورية مهما كانت نبيلة، لا تُطعم الجياع ولا تُبقي الدولة واقفةً حين تنهار الأسواق.
ويبقى السؤال: هل يمكن أن تغامر أمريكا فعلاً بعدوانٍ عسكري مباشر على فنزويلا؟
الجواب، وإن بدا مستبعداً الآن، ليس مستحيلاً في منطق القوة. فالثروات الهائلة التي تختزنها الأرض الفنزويلية من نفطٍ وذهبٍ ومعادنٍ نادرة تجعلها هدفاً مغرياً في زمن الجوع العالمي للطاقة. ومع ذلك، تمتلك فنزويلا مقوماتٍ للصمود: جيشٌ عقائدي، وتحالفاتٌ مع روسيا والصين وإيران، وشعبٌ عنيد يملك ذاكرة مقاومة لا تُشترى.
لكن الصمود لا يكفي وحده. فالدولة التي قالت “لا” لأقوى إمبراطورية في العالم، مطالبة اليوم بأن تقول “نعم” لتنويع الاقتصاد وللإصلاح والتنمية ومكافحة الفساد، كي لا يتحول شعار “الممانعة” إلى غطاءٍ لعجزٍ اقتصاديٍ مزمن.
إنّ فنزويلا تقف اليوم عند مفترقٍ حاسم: إما أن تبقى عنواناً للكرامة في وجه الجشع الأمريكي، أو أن تغرق في فوضى داخلية تفتح الباب أمام التدخل الخارجي.
وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الساطعة واحدة:
من يملك النفط لا يملك الأمان… إلا إذا امتلك السيادة والإرادة، والخبز.



إرسال التعليق