صحيفة ديلي ميل: من -فندق حماس- إلى نفي الإبادة… صحيفة بريطانية تثير الجدل في زمن التحيز الإعلامي
صحيفة ديلي ميل: من -فندق حماس- إلى نفي الإبادة… صحيفة بريطانية تثير الجدل في زمن التحيز الإعلامي
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
في أروقة لندن، حيث تتقاطع السياسة مع الإثارة الإعلامية، تقف صحيفة ديلي ميل كرمز للصحافة البريطانية التي تعتمد الإثارة والتسلية ولا تعرف الرحمة وتسمى Tabloid.
مملوكة لشركة Daily Mail and General Trust (DMGT)، وتحت إشراف جوناثان هارمزورث، البارون الرابع روذرمير – حفيد أحد مؤسسيها الأصليين – تحولت هذه الصحيفة إلى قوة إعلامية تُشكل الرأي العام، لكنها تُثير أيضًا عواصف من الإنتقادات.
في عام 2025، مع حكومة عمالية بقيادة كير ستارمر تواجه تحديات إقتصادية، تستمر ديلي ميل في دورها كـ”كلب حراسة” لليمين المحافظ، لكن هل هي حقًا حارسة للحقيقة، أم مجرد صوت للتحيز والإثارة؟ دعونا نغوص في قصة هذه الصحيفة، من خلال عدستها السياسية والإجتماعية، مرورًا بموقفها من الحرب على غزة، وصولًا إلى أحدث فضائحها حول “أسرى فلسطينيين يقضون عطلة فاخرة”.
تراث التحيز: من الفاشية إلى إنتقاد حزب العمال
تأسست ديلي ميل في أواخر القرن التاسع عشر، لكن تاريخها السياسي المثير للجدل يعود إلى الثلاثينيات، حين دعمت الفاشية في ألمانيا علنًا بعناوين مثل “هورا للقمصان السوداء”. وفي عام 1924، ساهمت في نشر “رسالة زينوفييف” المزيفة، التي أطاحت بحكومة عمالية.
اليوم، في 2025، يستمر هذا التراث مع إنحيازها الصريح لحزب المحافظين. تنتقد الحكومة العمالية بلا هوادة، واصفة ميزانية راشيل ريڤز بـ”الكارثة الإقتصادية”، وتتهمها بفرض “ضرائب غير مبررة” على المنازل. لكن هذا الدعم ليس مجانيًا؛ يقول منتقدوها إنها تُملي على السياسيين، حيث يتردد الوزراء في إتخاذ قرارات ليبرالية خوفًا من حملاتها الإعلامية الشرسة.
إجتماعيًا، تواجه ديلي ميل إتهامات بالعنصرية والكراهية. وُصفت بـ”أسوأ جريدة في العالم” بسبب تغطيتها للمهاجرين والمسلمين، حيث تُتهم بـ”التصيد ضد المهاجرين” و”تلطيخ سمعة المسلمين”.
في 2025، أثارت تغطيتها لعصابات الإعتداء الجنسي جدلًا، خاصة مع تورط إيلون ماسك في المناقشات، مما عزز إتهاماتها بتعزيز الخطاب العنصري. ومع حظرها من ويكيبيديا عام 2017 بسبب “سمعة سيئة في التحقق من الحقائق والإثارة”، خسرت قضايا تشهير متعددة، مما يجعلها هدفًا للنقاد الذين يرون فيها “غزوًا للخصوصية” و”تعزيزًا للثقافة الإستهلاكية”.
رغم ذلك، يبقى موقعها الإلكتروني MailOnline أكبر موقع إنجليزي، يجذب ملايين الزوار شهريًا، مما يثبت أن الإثارة تبيع.
نفي الإبادة: موقف ديلي ميل من الحرب على غزة
في خضم العدوان الهمجي على غزة، الذي وصفه البعض بـ”حرب الإبادة الجماعية”، تكشف ديلي ميل عن وجهها القبيح.
منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، الذي قتل فيه 1200 إسرائيلي، تبنت الصحيفة موقفًا داعمًا لإسرائيل، معتبرة عملياتها “دفاعًا ذاتيًا مبررًا” للقضاء على “الإرهابيين”. تنفي الصحيفة تمامًا إتهامات الإبادة، مستندة إلى قرار الحكومة البريطانية في سبتمبر 2025 بأن “إسرائيل لا ترتكب إبادة جماعية”، رغم مقتل أكثر من 63,000 فلسطيني في غزة.
عندما أعلنت الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) في الشهر نفسه أن إسرائيل ترتكب إبادة، ردت ديلي ميل بنفي إسرائيلي قاطع، واصفة الإتهامات بـ”مضللة ومبنية على كذب حماس”.
تغطيتها تركز على ضحايا إسرائيل، مثل الرهائن، وتنتقد حماس بشدة، واصفة قادتها بـ”الوحوش” الذين يستخدمون الدروع البشرية.
في أكتوبر 2025، مع وقف إطلاق النار الذي توسط فيه دونالد ترامب، إحتفت الصحيفة بـ”النجاح” في إطلاق الرهائن، لكنها ألقت اللوم على حماس في “الفوضى” و”الإعدامات” داخل غزة.
منتقدو الصحيفة، مثل تقارير The New Arab، يتهمونها بالتحيز المؤيد لإسرائيل، حيث تقلل من الخسائر الفلسطينية وتربطها بـ”إحصاءات غير موثوقة”. حتى إنتقادها للإحتجاجات المؤيدة لفلسطين، ووصفها للمشاركين بـ”اليساريين المتطرفين”، يعكس خوفها من أي صوت يتحدى روايتها.
“فندق حماس”: الإثارة إلى أقصى حد
أحدث فصول الجدل جاء في 25 أكتوبر 2025، عندما نشرت ديلي ميل تحقيقًا ميدانيًا عن “فندق حماس” في القاهرة.
هنا، في فندق Renaissance Cairo Mirage City الفاخر، يقيم أكثر من 150 أسير فلسطيني سابق – أُفرج عنهم كجزء من صفقة ترامب مقابل الرهائن الإسرائيليين – يعيشون وسط سياح غربيين لا يعلمون بوجودهم. وصفت الصحيفة إقامتهم بـ”إستجمام فاخر”، مع صور لهم يسبحون في المسبح ويأكلون في المطاعم، بينما يسحبون “حزمًا من النقود” من الصراف الآلي بفضل سياسة السلطة الفلسطينية “الدفع مقابل القتل”، التي تمنح مكافآت تصل إلى 33,000 جنيه إسترليني سنويًا.
تركزت التغطية على أفراد مثل عز الدين الحمامرة، متهم بتجنيد إنتحاريين، وسمير أبو نعمة، مسؤول عن تفجيرات حافلات قتلت ستة أشخاص بما في ذلك طفلة، ومحمود العريضة، قائد في الجهاد الإسلامي. يُصورهم التقرير كـ”جهاديين خطرين” يخططون “لخطواتهم التالية”، محذرًا من “تهديد أمني عالمي”.
هذا الإفراج عن 250 سجينًا، مع ترحيل 154 إلى مصر لأنهم “خطر جدًا”، يُقارن بصفقة 2011 التي أدت إلى هجوم 7 أكتوبر. غضب عائلات الضحايا الإسرائيليين يتردد في الصفحات، لكن التقرير نفسه يثير تساؤلات: هل هو تحقيق صحفي، أم حملة إثارة تُعزز التحيز ضد الفلسطينيين؟ نفى الفندق إستمرار إقامتهم، لكن الضرر وقع، وأثار التقرير جدلًا دوليًا حول الأمن السياحي.
خاتمة: صحافة أم دعاية؟
في نهاية المطاف، تظل ديلي ميل قوة إعلامية لا تُقهر، لكن تحدياتها السياسية والإجتماعية، وموقفها من غزة، وأحدث فضيحة لها حول “فندق حماس”، تكشف عن صحيفة تفضل الإثارة على التوازن. في زمن الإعلام الرقمي، حيث تكشف الأخطاء بسرعة، هل ستستمر في دورها كصوت لليمين، أم ستُجبر على إعادة النظر في أخلاقياتها؟
الرأي العام ينتظر، لكن الآن، تبقى ديلي ميل مرآة لمجتمع بريطاني منقسم، حيث يلتقي السياسي بالإنساني في دوامة من الجدل.



إرسال التعليق