الذكاء الصناعي وتزييف الوعي الجمعي

هيثم ضمره


الذكاء الصناعي غيّر موازين الإدراك الإنساني.
فلم نعد نميّز بين الحقيقي والمصطنع، ولا بين الواقع والخيال.
صرنا نرى جملاً يطير، وفأرًا يرقص، وسلحفاةً تركض كأنها غزال.

لقد دخلنا مرحلة جديدة من التاريخ، أصبح فيها الخيال أكثر إقناعًا من الحقيقة، والصورة أقوى من الكلمة.
نصدّق ما نراه، حتى لو لم يكن موجودًا أصلًا.

خلال معيشتي في المجتمع الأمريكي، لفت انتباهي كيف يمكن للإعلام والثقافة أن تصنع إدراكًا جمعيًا متشابهًا، وكيف يصبح الإنسان أسير الصورة التي تُعرض أمامه كل يوم.
وفي المقابل، أدركت أن الشعوب التي تتقن أكثر من لغة، أو تعيش في بيئاتٍ متنوعة ثقافيًا، تكون أكثر قدرة على التفكير النقدي، لأنها ترى العالم من زوايا متعددة، لا من زاوية واحدة.

إن أخطر ما في الذكاء الصناعي ليس قدرته على خلق الصور والفيديوهات، بل على زرع القناعات.
أن يُريك مشهدًا متقنًا، فتؤمن به دون أن تتحقق منه، فتتكوّن لديك مواقف وقرارات مبنية على ما لم يحدث أصلًا.
وهنا تكمن خطورته الحقيقية: حين تختلط الحقيقة بالوهم، ويُعاد تشكيل الوعي الإنساني عبر الخوارزميات.

على مدى عقود، استخدمت السينما والإعلام في تشكيل الرأي العام حول العالم.
فمن خلال القصص والصور والأبطال، صيغت تصوّرات عن الخير والشر، وعن من يستحق التعاطف ومن لا يستحقه.
ومع مرور الوقت، أصبحت الصورة أقوى من الواقع نفسه.

واليوم، لم تَعُد صناعة التأثير حكرًا على استوديوهات السينما الكبرى.
لقد انتقلت إلى هواتفنا، وإلى كل منصة تتيح نشر مقطع أو صورة.
أصبح كل إنسان قادرًا على صناعة مشهد، وتشكيل رأي، وإقناع آلاف الآخرين به.

فكيف يمكننا أن نواجه هذا العالم المليء بالمؤثرات؟
ربما البداية تكون من الوعي.أن نتعلّم كيف نشكّل رأينا بوعي، وكيف نتحقق قبل أن نصدّق، وكيف نفكر قبل أن نشارك.

لقد صارت الحقيقة سلعة، والعاطفة أداة تسويق، والعقل البشري هدفًا لكل موجة إعلامية جديدة.
وفي زمنٍ تُخاض فيه الحروب بالعناوين والصور، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول عن الإنسان.

ليست المعركة مع التقنية، بل مع الطريقة التي تُستخدم بها.فالذكاء الصناعي يمكن أن يرفع من وعي البشرية… أو يغيّبه بالكامل.

وفي النهاية، إما أن نصنع وعينا بأيدينا،أو يُصنع لنا، كما يُصنع كل يوم على شاشاتنا.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك