أنت في خاطري
حشاني زغيدي
أنت في خاطري…
كُلَّما أبصرتُ حولي، ألمحُ زَهْوَ أيامٍ ماضيةٍ، عشناها في مسرَّاتٍ وبهجة. كانت أياماً ليس كسواها، كان لها طعمٌ فريد، كُنَّا فيها كالطيور نحلِّق في فضاءٍ رَحِب، نزاحم السُّحب، ونعبُرُ عنان السماء.
مَرَّت أفراحُها كَلَمْح البصر، لكنْ رغم شَحِّها، ما زلنا نشُمُّ عَبَقَ ريحها الفوَّاح، كأنما طيفُها لا يبرحُ النفس.
كُنتَ فيها كالمسروق من وَقْتِه، مأسورًا بالهوى، يحنُّ إلى زَخَّات المطر كي تَرْوي الأرض العطشى، وتُعيد لها الحياة.
أمَّا اليوم، فقد نخرت الأيامُ فينا أخاديدَها، وفعلت بنا أحداثُها الأفاعيل. عزَّ الصاحبُ والنصير، وانزوى كلُّ واحدٍ إلى همومه، تأسرُه شواغلُه وتقيدُه أعباؤه.
فما بقي لمثلي سوى الحنين إلى أيامٍ مضت، يؤنسها وَحْيُ القلم، ويُحييها سَرْدُ الذكريات. نَسْرُدُها كحكايات الأحاجي، يتسلَّى بها الفتيان، ويتعظُ بها الحكماء.
أي أخي…
أيام ٌبلا إخوانٍ جُدُود، خسارةٌ كُبرى. فإذا غاب الإخاء، جفَّت الأنهار من القلوب، وتوقَّف المدُّ والجزر، وأمسى الناس بلا عواطفَ ولا أحاسيس، كسَرَابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآنُ ماء.
أُحَدِّثُ نفسي كلَّما غاب طيفُك، واشتاقَتْ روحي للمؤانسة. أستعيدُ عبيرَ ذكرياتنا، لتبقى أنت في خاطري، نُجدِّد فرحتي كلَّما ذكرتُك، فتبقى في قلبي كالنور المشعِّ، وفي روحي كالضياء الهادئ.
ترسلُ إليَّ مواعظَ الهمسات، وتذكِّرني بقولٍ جميل:
“إنَّ المؤمنَ لينتفعُ برؤيةِ أخيه شهراً”.
هذا المعنى الجميل كان راسخاً في قلوب ذلك الجيل الذي مضى، جيلٌ تذوق حلاوة الأخوّة كما يُتذوَّق شهدُ العسل. لعلَّنا اليوم أحوج ما نكون إلى أن نستعيد ذلك الطعم، وأن نتراحم كما كانوا.
كانت أيامنا تمضي بنا ونحن نحلِّق كسربِ طيورٍ، نبحث عن موطن الزهو والجمال. كانت كلُّ ذكرى منها دفتراً ذهبياً خاصاً، نسجِّل فيه روائع اللحظات، ونجعل من الماضي نبراساً يضيء حاضرنا.
الأستاذ حشاني زغيدي



إرسال التعليق