الشرق الأوسط الجديد بين مشروع الفيدرالية وإرادة الشعوب وصراع القوى العظمى على التقسيم
احمد عزالدين
كما هو معلوم لدى الجميع، فقد مر قرن على معاهدة سايكس بيكو التي تم فيها تقسيم وتأسيس الشرق الأوسط الحديث.
كان الهدف من هذا التقسيم هو إضعاف الشعوب في هذه الجغرافيا، وتهيئة الأرضية لصراعات دينية وقومية ومذهبية، إذ إن إنشاء نظام الدولة القومية يعني الدولة الواحدة، والعلم الواحد، واللغة الواحدة.
ولهذا السبب، لم تعرف شعوب الشرق الأوسط الراحة ولا السلام ولا الأمان طوال القرن الماضي وحتى اليوم.
غير أن هذا التقسيم لم يكن كافيا لإرضاء النظام السلطوي الرأسمالي، لأن تزايد الفوضى والمشكلات خرج عن نطاق سيطرته، وهذا ما حدث بالفعل.
فقد بدأ النظام الرأسمالي إعادة إصلاح نموذج الدولة القومية، وكانت أحداث عام 2003 نقطة البداية، ثم تتابعت موجات “الربيع العربي”، وصولًا إلى طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر.
في زمن معاهدة سايكس بيكو، لم يكن لشعوب المنطقة دور فعال في حماية مكتسباتها أو تقرير مصيرها، بل كانت أداةً بيد القوى الاستعمارية التي استخدمتها لتحقيق مصالحها.
فعلى سبيل المثال، استغلت المملكة المتحدة (بريطانيا) العديد من القبائل العربية في طرد الاحتلال العثماني، غير أن ما جرى بعد ذلك كان مؤلما؛ إذ تم تفتيت الدولة العربية نفسها إلى اثنتين وعشرين دولة، ليتحول الحلم بالتحرر والوحدة إلى واقعٍ من التقسيم والتجزئة.
واليوم يتكرر المشهد ذاته، إذ أصبح رؤساء الدول والأنظمة في المنطقة أدوات بيد القوى الكبرى، يهرولون نحو التطبيع مع إسرائيل تحت مسمّى ما يعرف بـ «الدين الإبراهيمي»، في الوقت الذي تعاد فيه صياغة خريطة جديدة للشرق الأوسط على حساب حقوق الشعوب وتطلعاتها.
نعود الآن إلى صلب الموضوع وعنوان المقال، وهو مستقبل الشرق الأوسط الجديد بين مشروع الفيدرالية وإرادة الشعوب، أم صراع القوى العظمى على التقسيم.
وكما نرى ونتوقع، فإن المشهد العام يتمحور حول صراع بين مشروعين أساسيين:
المشروع الأول هو مشروع “الدين الإبراهيمي” الذي تتبناه القوى العظمى والنظام الرأسمالي العالمي، والهادف إلى تفتيت المنطقة أكثر فأكثر، وتحويلها من دول إلى دويلات صغيرة وضعيفة، بما يسهم في كسر إرادة الشعوب وإضعاف استقلالها الحقيقي.
أما المشروع الثاني فهو مشروع الأمة الديمقراطية الذي يقوم على فكر فيدرالي او اللامركزية يسعى إلى توحيد الشعوب والمجتمعات على أساس التعايش والتكامل، لا على أساس التجزئة والانقسام، مؤمنا بأن قوة الشرق الأوسط تكمن في تنوعه ووحدته معا.
يمثل النظام الرأسمالي الذي تتزعمه كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وروسيا وإسرائيل أداة أساسية لإدارة الصراعات في الشرق الأوسط.
فالهدف الرئيسي لهذه القوى هو معالجة أزماتها الاقتصادية بالدرجة الأولى، من خلال إضعاف شعوب المنطقة وتقسيمها إلى كيانات صغيرة متناحرة، لتصبح دمى في صراعات مصطنعة تدار من الخارج، بينما تُنهب ثرواتها ومواردها بلا مقاومة تذكر.
وقد برعت بريطانيا تاريخياََ في هذا النهج القائم على مبدأ “فرق تسد”، وهي لا تزال تمارسه بأساليب جديدة، في محاولةٍ لتحويل الدول إلى دويلات وأقاليم تابعة.
أما ما يسمى بـ “الدين الإبراهيمي” فليس مجرد وسيلة للتطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، بل هو إطار سياسي واقتصادي جديد يهدف إلى إعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط التي رسمت قبل قرن من الزمان، في سياق يمكن اعتباره إصلاحاََ للرأسمالية لنظام الدولة القومية.
أما مشروع الأمة الديمقراطية، القائم على الفكر الفيدرالي الذي يتبناه الفيلسوف الأممي عبد الله أوجلان، فهو مشروع يصب في خدمة الشعوب والمجتمعات، ويهدف إلى بناء أمة ديمقراطية ومجتمع حر تشاركي.
يرتكز هذا المشروع على تقليص سلطة المركز ومنح دور فعال للشعوب من خلال نظام اللامركزية السياسية والإدارية، بما يضمن حماية التنوع القومي والديني والمذهبي، ويحول دون تكرار المجازر والصراعات التي تغذيها القوى العظمى لتحقيق مصالحها.
إن اللامركزية والفيدرالية ليستا ضعفا للدولة كما يصور، بل هما الضامن الحقيقي لحقوق الشعوب المختلفة في اللغة والدين والقومية، لأن الاختلاف ثروة وكنز يجب الحفاظ عليه، لا إلغاؤه.
وإذا طبق نظام الفيدرالية واللامركزية بالشكل الصحيح، فسيمنح قوة حقيقية للمركز، لأن المواطن في جميع أنحاء الوطن سيشعر حينها بالانتماء الحقيقي لهذه الجغرافيا، لا بالانتماء الاجباري الذي تفرضه الأنظمة المركزية.
ففي الأنظمة المركزية، الانتماء يفرض بالقوة، أما في النظام الفيدرالي، فهو نابع من القناعة والمشاركة.
وهذا ما غاب عن بعض التجارب المؤلمة في المنطقة، مثل مجازر الساحل السوري والسويداء، التي كانت نتيجة انعدام العدالة والمساواة بين مكونات المجتمع.
في الختام
يمكن القول إن مشروع القوى العظمى يسعى إلى تفتيت دول الشرق الأوسط أكثر فأكثر، وتحويلها من دول قائمة إلى دويلاتٍ متصارعة، بهدف إضعافها ونهب ثرواتها وإبقائها تحت الهيمنة.
كما أن أحد الأهداف المحورية لهذا المشروع هو تعزيز مكانة إسرائيل في المنطقة، لتكون الممثل الأبرز للمصالح الرأسمالية في الشرق الأوسط، وضمان استمرار تفوقها السياسي والعسكري والاقتصادي على حساب الشعوب الأخرى.
أما مشروع الأمة الديمقراطية الذي يرى أن حل المشكلات يكمن في اعتماد الفيدرالية أو اللامركزية من دون تدخل القوى العظمى، فإنه يقوم على منح الحقوق للأقليات والشعوب المتعددة دينياً وقومياً ومذهبياً. تتميز اللامركزية بقدرتها على الحفاظ على الشكل الجغرافي والسياسي القائم من دون رسم خرائط جديدة، مع ضمان إدارة محلية أوسع.
في الوقت نفسه، فإن مشروع الأمة الديمقراطية عبر الفيدرالية أو اللامركزية يسعى إلى احتضان جميع المكونات من دون تمييز، ويعمل على دمقرطة السلطة المركزية وتحويلها نحو سلطة لامركزية أكثر ديمقراطية وتشاركية، بما يضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والموارد بين مختلف المجتمعات .



إرسال التعليق