الجزائر الحدث

أسباب الجفاف في الجزائر

لا شك أن الجميع قد لاحظ الوضع الكارثي الذي تعيشه المنطقة الغربية والوسطىالغربية منذ سنوات من الجفاف وقلة التساقط، وبما أننا نهتم بهذا المجال وبكل الظواهر الطبيعية فسنحاول تقديم كل الأسباب والعوامل المؤدية إلى ذلك، لأن ما يحدث في شمال غرب البلاد منذ عدة سنوات ليس أمرا عاديًا ولا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، كما سنحرص على عرض #نتائج هذا الجفاف مع ذكر بعض #الحلول التي قد تسهم في تخفيف وطأته إن شاء الله.

سنقسّم الإجابة بخصوص الأسباب إلى ثلاثة محاور: أولًا: الأسباب العلمية والمناخية:

تغيّر تموضع المرتفع الأزوري:
هذا المرتفع الجوي الأطلسي كما جعله الله تعالى سببا يمنع وصول الأعاصير المدمرة إلى مناطقنا رحمة بنا جعله كذلك سببا من أسباب الجفاف والقحط في شمال إفريقيا.
في الماضي كان يتمركز غرب الأطلس ويترك منفذًا للمنخفضات الأطلسية المتتالية فتتأثر بذلك المنطقة الغربية بشكل أساسي، لكن منذ 2018، أصبح يتمدّد أكثر نحو المغرب وغرب الجزائر مما يتسبب في غلقٍ دائم للممرات الرطبة، وفي نفس الوقت تتأثر المنطقة الوسطى والشرقية بالمنخفضات المتوسطية والقطبية.

تبدّل مسار التيار النفاث:
التيار النفاث الشتوي هو نهر هوائي قوي يوجّه المنخفضات، والدراسات الحديثة تُظهر أنه أصبح أكثر “تموجًا”، وغالبًا ما يمرّ شمال الجزائر نحو إيطاليا وتونس، مما يجعل الغرب الجزائري خارج تأثير المنخفضات الرطبة.

تأثير التغيّر المناخي العالمي:
ارتفاع حرارة الأرض مما سبّب اختلالًا في الدورات الجوية، بحيث تصبح هناك فترات جفاف طويلة في بعض المناطق بينما تتأثر مناطق أخرى بحالات عنيفة في وقت قصير، وكان الغرب الجزائري من بين أكثر المناطق تأثرا بذلك.

تأثير ظواهر النينيو واللانينيا:
هذه الظواهر المناخية العالمية تغير في حركة الرياح والتيارات البحرية فعندما تنشط ظاهرة “النينيو” مثلا، تميل مناطق شمال إفريقيا إلى الجفاف بسبب اختلال توزيع الحرارة والرطوبة وهي ظاهرة عامة تؤثر على كل دول شمال إفريقيا لكن كان لها تأثير أكثر على المنطقة الغربية بسبب تأثير عوامل أخرى معها على المنطقة.

ضعف التغذية الرطبة من المحيط الأطلسي:
بسبب تغيّر حرارة سطح البحر غرب الجزائر، تقلّ كميات البخار المتدفقة مع الرياح الغربية، حتى عندما تمرّ اضطرابات جوية تكون فقيرة من حيث الرطوبة، فلا تعطي أمطارًا معتبرة، بينما عندما تنتقل شرقا تزداد نسبة الرطوبة فتتقوى مجددا.

تأثير التضاريس (ظاهرة ظل المطر):
سلاسل جبال إسبانيا والمغرب قد تخلق مناطق ظل مطري في غرب الجزائر، خاصة مع هبوب الرياح فتصل السحب مستنزفة إلى المناطق التي تقع خلف الجبال ومنها شمال شرق المغرب وشمال غرب الجزائر.

تنبيه وتساؤل: إذا كانت هذه الظاهرة تحدث منذ القدم فلماذا كانت الأمطار سابقا تتساقط بغزارة غربا؟

الجواب: لأنه في السابق عندما كان المرتفع الجوي الأزوري يتمركز في مكانه الأصلي كانت المنخفضات الأطلسية متتالية على المنطقة مما يخلق جوا رطبا، كما أنها في هذه الحالة تستفيد من المنخفضات المتوسطية والقطبية خصوصا في الرجوعات الشرقية.

مسار العواصف الرعدية المتكرر:
انطلاقا من جنوب الأطلس نحو الهضاب العليا ثم السواحل الشرقية ضمن مسار شرق شمال شرق مع هبوب الرياح البحرية المنعشة غربا مما يجعل الرعود لا تصل إلى المناطق الساحلية وقرب الساحلية الغربية والوسطى الغربية.

تدهور الغطاء النباتي وارتفاع الغبار:
الجفاف المتكرر أدى إلى تراجع الغطاء النباتي، وزيادة العواصف الترابية، لأن الغبار المتكرر قد يغيّر تركيبة الغلاف الجوي، وقد يعيق تشكل النوى المكثفة للسحب وهذا عامل محلي مهم في استمرار الجفاف.

ثانيًا: الأسباب الطبيعية والبيئية:

التذبذب الطبيعي للمناخ:
المناخ في الجزائر بطبيعته متذبذب، يعرف دورات رطبة وجافة كل 10–20 سنة، من المحتمل أننا نعيش الآن في نهاية دورة جافة طويلة بدأت منذ 2017.
ما يؤكد هذا الافتراض أنه سابقا كانت تحدث سنوات جافة متتالية ثم يأتي الخير بعدها ولو أنها الآن متباعدة عما كانت عليه.

الأنشطة البشرية والتدهور البيئي:
قطع الأشجار والرعي الجائر والتوسع العمراني غير المنظم زادت من حدة التصحر وقللت من قدرة الأرض على الاحتفاظ بالرطوبة مما يفاقم آثار الجفاف الطبيعي.

تراجع تأثير البحر المتوسط:
التغيرات في درجة حرارة سطح البحر وملوحته تؤثر على تكوين المنخفضات المتوسطية، وحين يقلّ التباين الحراري بين اليابسة والبحر، تقلّ الاضطرابات المطرية، وكما هو معروف أن التل الغربي الفوارق الحرارية فيه صغيرة بينه وبين البحر عكس الشرق والوسط تكون فيه أيام حارة جدا وأيام باردة جدا.

مجال بحري ضيق على المنطقة الغربية وواسع جدا على الشرق والوسط مما يجعل المنطقة مسرحا للاضطرابات الجوية الشتوية ومكانا مثاليا لتفاعل مختلف العناصر الجوية، عكس المنطقة الغربية فإنها تحيط بها اليابسة من مختلف الاتجاهات.

الموقع الفلكي الذي يمتد أكثر نحو الجنوب عكس التل الأوسط والشرقي يمتد شمالا أكثر نحو المنطقة المعتدلة، فلو وضعنا خطا أفقيا مستقيما انطلاقا من تلمسان فسيمر على الأوراس، ويبقى التل الأوسط والشرقي أكثر امتدادا شمالا.

الحلول المقترحة

تعزيز مراقبة المناخ محليًا:
من خلال تركيب محطات رصد إضافية لقياس الرطوبة، التبخر، التيار النفاث، وضغط البحر المتوسط، وتطوير النماذج المحلية للتنبؤ بالجفاف من طرف الهيئات الرسمية.

مشروع تلقيح السحب:
يمكن تطبيقه في جبال الونشريس، الظهرة، تلمسان… حيث تتشكل سحب ركامية لكنها غير ممطرة، والهدف تحفيز السحب على الهطول لتقليل الفترات الجافة.

التشجير واسع النطاق:
إعادة غابات الأطلس التلي التي تدهورت بسبب الحرائق والجفاف، من خلال إعادة بعث مشروع السد الأخضر على أرض الواقع بغرس خطين متوازيين من الأشجار أحدهما شمال الأطلس التلي والآخر جنوبه.

ملاحظة: الغطاء النباتي لا يجذب المنخفضات إلى المنطقة لكنه يزيد الرطوبة المحلية ويخفض درجة الحرارة، مما يحفّز تكوّن السحب الممطرة في حال تشكل واقتراب المنخفضات الجوية.

تحلية مياه البحر:
إنشاء أو توسيع محطات التحلية في المناطق الساحلية، لتوفير مياه الشرب دون استنزاف السدود.

إعادة استعمال المياه المعالجة:
استعمال مياه الصرف الصحي المعالجة في الريّ بدل المياه العذبة.

صيانة وتوسيع السدود:
إزالة الطمي من السدود، وبناء سدود تلية صغيرة في المرتفعات لتخزين مياه السيول.

وهنا يمكن إنجاز مشروع ربط سدود الشرق بالوسط والغرب وتحويل الفائض من سدود الشرق نحوها.

التحول نحو زراعة مقاومة للجفاف:
مثل الشعير، الحمص، الزيتون، اللوز، الصبار….والتقليل من المحاصيل التي تستهلك الماء بكثرة.

استخدام الريّ بالتقطير بدل إهدار الكثير من الماء في السقي.

نشر الوعي الديني والبيئي عبر خطب الجمعة والمدارس حول نعمة الماء وضرورة ترشيد الاستهلاك.

إحياء صلاة #الاستسقاء والرجوع إلى الله، لأنه كما ورد في الأثر: ما نزل بلاء إلا بذنب وما رُفع إلا بتوبة.

ثقافة الاقتصاد المائي في المنازل من خلال إصلاح التسربات، وجمع مياه الأمطار عند توفرها.
وضع خطة وطنية لمكافحة الجفاف، تشمل الإنذار المبكر، توزيع المياه حسب الأولويات، وبرامج دعم الفلاحين المتضررين.

تعاون #مغاربي حقيقي في مجال تحلية المياه وتبادل البيانات المناخية، وهو من بين أهم الحلول بما أن الكل متأثر.

إن الجفاف الحالي في شمال غرب الجزائر حدث نتيجة تداخل معقد بين العوامل المناخية العالمية (تغيّر الأزوري والتيار النفاث)، والعوامل الطبيعية المحلية (التربة، الغطاء النباتي، الظل المطري)، والعوامل القدرية الإيمانية (رفع البركة والابتلاء).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى