عن اليمين و-اليسار- في إسرائيل
نهاد ابو غوش
شهدت إسرائيل على امتداد العقود الثلاثة الماضية انزياحا متواصلا نحو اليمين واليمين المتطرف، وهو ما يتمثل في استقرر حكم اليمين من جهة (نتنياهو يحكم بشكل متواصل منذ 2009 باستثناء عام 2022 حيث تولت حكومة التغيير برئاسة نفتالي بينيت ويائير لابيد وكلاهما محسوب على يمين الوسط)، والميل للتطرف والتشدد عند كل القوى السياسية الصهيونية المشاركة في الحكومة أو التي في المعارضة علىى السواء، وانتقال قوى اليمين الأكثر تطرفا (مثل قوى الصهيونية الدينية كحزب قوة/عظمة يهودية ) من هامش الخريطة السياسية إلى مركزها المقرر. هذه التطورات عكست نفسها بشكل واضح على الموقف من الشعب الفلسطيني والاحتلال وفرص الوصول إلى تسوية سياسية، وتمثلت في الاتجاه إلى حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني بالقوة المسلحة بدل المفاوضات والاتفاقيات.
من المهم الإشارة إلى أن بعض التصنيفات والتقسيمات التي تطرحها كثير من وسائل الإعلام حول الخريطة السياسية في إسرائيل، هي تصنيفات نسبية وتعوزها الدقة. فالمعروف أن حكومة نتنياهو هي حكومة المين المتطرف لكن ذلك لا يعني حتما أن كلا من حزب يسرائيل بيتينو برئاسة افيغدور ليبرمان أو شخصية مثل نفتالي بينيت هم من الوسط أو اليسار، ليبرمان هو من اشد السياسيين الإسرائيليين تطرفا وهو أول من دعا لقصف طهران وأسوان، ويؤيد استخدام السلاح النووي ضد أعداء إسرائيل، لكنه على خلاف شخصي عميق مع بنيامين نتنياهو وخلاف أوسع مع الأحزاب الدينية. كذلك الأمر مع كل من نفتالي بينيت ويائير لابيد وكلاهما في المعارضة حاليا، وهنا يتوجب التمييز بين “يمين ويسار ووسط اجتماعي” وهذه التصنيفات بشكل عام وبخاصة في موقف هذه القوى من القضية الفلسطينية، حيث أن كل القوى السياسية الصهيونية من دون استثناء تتبنى حلولا تصفوية واستعمارية تجاه الشعب الفلسطيني وبعضها يرفض وبعضها تراجع عن الإقرار بالدولة الفلسطينية، لكنها تتبنى مواقف ظاهرها يساري في موضوعات كالحريات المدنية ومجابهة نفوذ الأحزاب الدينية، لكنها جميعا تتفق على وتهجير الفلسطينيين من غزة، وضم أجزاء واسعة من الضفة، ورفض أي تقسيم للقدس، بل وتتفق على نزع الشرعية السياسية عن فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948 أي من فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية، لأن أي تضامن من قبل فلسطينيي الداخل مع الشعب الفلسطيني عموما تراه القوى الإسرائيلية يمينا ويسارات على أنه إخلال بواجبات المواطنة في دولة غسرائيل.
هذه التطورات والتغيرات التي طاولت الخريطة السياسية الإسرائيلية، سبقت السابع من اكتوبر وعبرت عن نفسها في تشريع قانون القومية الذي يحصر حق تقرر المصير في “أرض إسرائيل” باليهود دون غيرهم، وينزع صفة الشعب عن الفلسطينيين بحيث ينحصر التعامل معهم باعتبارهم مجرد سكان طارئين في القضايا المعيشية والاقتصادية، وواصلت الحكومات الاسرائيلية ضغطها على السلطة والتضييق عليها ومحاولات اختزال دورها في وظائف أمنية وإدارية محدودة، كما واصلت عملها بشتى السبل لفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، مع مواصلة عمليات تهويد القدس وتكثثف الاستيطان وتوسيعه، بل عملت على توسيع دائرة التهويد لتشمل قلب مدينة الخليل ومناطق الأغوار التي تشكل نحو ثلث مساحة الضفة الغربية، والعمل على استئصال المقاومة ومواجهة أي مظهر من مظاهر مناهضة الاحتلال حتى لو كان سلميا وغير عنفي.
بعد طوفان الأقصى اتخذت سياسات حسم الصراع منحى هو الأكثر توحشا ودموية في تاريخ الصراع من خلال حرب الإبادة والتدمير والتهجير، ولم تعد تقتصر على نزعات الانتقام واستعادة صورة الردع، ولا حتى الاقتصار على الأهداف المعلنة باستعادة الأسرى والقضاء على المقاومة، وخلق صورة ردع ترهب كل من يفكر بالمساس باسرائيل في المدى الراهن وفي المستقبل. بل وسعت أهدافها دون مواربة لتشمل تهجير الفلسطينيين من وطنهم وتنفيذ عملية تطهير عرقي صريحة ومعلنة طالما أنها تحظى بدعم وتشجيع الإدارة الأميركية،
عملت آلة الحرب الإسرائيلية على الانتقام من المدنيين الفلسطينيين، وتدمير كل المعالم والأعيان الحضرية من مدارس ومستشفيات ومقرات حكومية وبنايات ومساجد وكنائس ومرافق اقتصادية وخدمية في قطاع غزة، وشبكات مياه وصرف صحي وكهرباء واتصالات وطرق وجسور، إلى جانب استهداف المرافق التجارية الخاصة والأكثر حيوية مثل المخابز، ومع فشل محاولات التهجير الشامل بسبب المعارضة الاقليمية والدولية، وصمود الناس على أرضهم وانعدام الخيارات البديلة والملاذات الآمنة للسكان، عملت اسرائيل ما أمكنها ذلك على تنفيذ التهجير الداخلي لمحاولة تدفيع الفلسطينيين جميعا كلفة ما جرى في 7 اكتوبر، ثم جعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للحياة وطاردة للسكان، لكن كل هذه المحاولات ما زالت تصطدم بصمود الشعب والمقاومة التي تجعل من تنفيذ هذه المخططات أمرا مكلفا جدا لدولة الاحتلال.



إرسال التعليق