زيارة أحمد الشرع إلى موسكو… مأزق جديد في المشهد السوري
حجي قادو
كاتب وباحث
تشكل زيارة أحمد الشرع إلى موسكو بحد ذاتها مأزقًا سياسيًا جديدًا يتزامن مع المأزق الداخلي الذي تعيشه السلطة في سوريا. فهذه الزيارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن حالة الارتباك في بنية الحكم السوري، وهي مؤشر واضح على احتمالات حدوث تغييرات جوهرية في تركيبة السلطة مع نهاية العام الحالي.
اللافت في المشهد، أن الدور الروسي يعود ليظهر مجددًا على الساحة السورية، وكأن شيئًا لم يتغير منذ عهد بشار الأسد. فالصورة العامة توحي بأن رأس النظام قد تغيّر، لكن النهج ذاته مستمر، بل وربما بشخصية أكثر تشددًا ودموية.
وما يثير الاستغراب حقًا هو التحول المفاجئ في مواقف الأبواق الإعلامية والسياسية، التي كانت في الأمس القريب تهاجم روسيا وتتهمها بالهيمنة والغطرسة، ثم سرعان ما انقلبت لتصفّق لها وتكيل لها المديح بعد زيارة أحمد الشرع إلى موسكو، وكأنها تحتفل بانتصار سياسي مزعوم حقّقه الشرع على روسيا!
لكن السؤال الأهم: ما الذي تغيّر فعليًا في المعادلة السياسية والأمنية على الأرض؟
ولماذا هذا الترحيب المفاجئ بعودة الوجود الروسي إلى قواعده في حميميم وميناء طرطوس وجبلة؟
وكيف قبل أحمد الشرع بكل الاتفاقيات التي وقّعها بشار الأسد سابقًا مع موسكو، بل وتعهد بدفع كافة المستحقات المالية التي ترتبت على دعم روسيا للنظام السابق خلال سنوات الحرب؟
إن تصريحات أحمد الشرع الأخيرة، بكل ما تحمله من تناقضات، تُظهر أنه يحاول اللعب على الحبلين، غير أن حبال الكذب قصيرة، كما يُقال. فحين يبرر بقاء القوات الروسية في سوريا بذريعة “محاربة الإرهاب”، نتساءل: عن أي إرهاب يتحدث؟
هل نسي أن القوى التي يمثلها اليوم لم تولد من رحم الديمقراطية أو الليبرالية، بل كانت شريكة في جرائم وانتهاكات جسيمة ضد الإنسانية؟
والأكثر تناقضًا، أن روسيا اليوم هي المموّل والمسلّح والمدرّب للجيش السوري الجديد الذي يعمل تحت قيادة الشرع، فيما كانت تركيا حتى الأمس القريب هي الداعم الأول له.
فأين ذهبت تلك الزيارات المتكررة إلى أنقرة صباحًا ومساءً؟
وأين اختفت مظاهر التنسيق وتبادل الأوسمة والهدايا والتفاهمات العسكرية؟
وراء الكواليس، تشير المعلومات إلى أن أحمد الشرع بدأ بالتواصل مع ضباط سابقين كانوا يقاتلونه في إدلب حتى 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي، بهدف إعادتهم إلى صفوف جيشه للاستفادة من خبراتهم في استخدام الأسلحة الروسية، على أمل أن يدعمه الجيش الروسي جوًا كما فعل سابقًا مع نظام الأسد.
لكن يبقى السؤال الجوهري: هل تغيّر شيء فعلاً في الواقع السوري؟
طالما أن الأسلوب ذاته يتكرر قصف المدن بطائرات روسية، وحكم البلاد بالقوة فإن ما يحدث ليس إلا استنساخًا للنظام السابق بوجوه جديدة.
في الحقيقة، ما يقوم به أحمد الشرع ليس سوى مزيج من البراغماتية والبروباغندا السياسية، هدفه الأساس استعادة السيطرة على إدلب وحلب ومناطق “غصن الزيتون” و”درع الفرات”، وصولًا إلى السويداء والمناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
وهو يدرك تمامًا أن الخطر الأكبر اليوم يأتي من إدلب، حيث يتزايد النفوذ التركي والجهادي يومًا بعد يوم، ما يجعله يدق ناقوس الخطر من هناك.
وفي خضم ذلك، تجد إسرائيل نفسها الأكثر ارتياحًا من هذا المشهد، إذ ترى في التدخل الروسي فرصة لتصفية ما تسميه “الإرهاب” على مقربة من حدودها، دون أن تخسر شيئًا، بل بتنسيق غير مباشر يحمي أمنها القومي.
هكذا، يبدو أن ما يجري اليوم ليس تحوّلًا سياسيًا بقدر ما هو إعادة تدوير للسلطة ذاتها، بنفس الأدوات والولاءات، وتحت شعارات جديدة لا تخفي جوهرها القديم: حكمٌ قائم على القوة، ورهانٌ دائم على الخارج.



إرسال التعليق