الإخوان والسجون… قصة غير مروية..

أحمد فاروق عباس

في أواخر ديسمبر عام ١٩٦٧ أفرج جمال عبد الناصر عمن تبقي من أعضاء جماعة الاخوان المسلمين، وكان أغلبهم من أعضاء الجهاز الخاص ــ الجهاز السري _ وهو الجناح المسلح في تنظيم الاخوان ممن تبقي في السجون.. وهو العفو الثاني عن الاخوان، في عصر جمال عبد الناصر…

لم تقم أي حكومة مصرية سواء في العصر الملكي أو العصر الجمهوري بسجن الإخوان أو اعتقالهم إلا بعد أن كان قد سبقها قيام الاخوان بعمليات عنف وإرهاب، أو التآمر لإحداث قلاقل واضطرابات في البلاد، ففي عام ١٩٤٨ فجر الاخوان السينمات والمسارح، ثم اعتدوا علي اليهود المصريين في أحياءهم في القاهرة، ومع ضبط البوليس المصري شحنات كبيرة من الأسلحة مع الاخوان في حادث السيارة الجيب اغتال الاخوان المسلمين اللواء سليم زكي حكمدار بوليس القاهرة، ثم قتلوا القاضي احمد الخازندار مستشار الاستئناف وأحد رجال القضاء البارزين في مصر وقتها، فكان رد حكومة النقراشي حظر جماعة الاخوان وحل تنظيمها… وكان رد الإخوان المباشر والفوري هو اغتيال النقراشي باشا رئيس وزراء مصر نفسه…

وكان من نتيجة الارهاب السياسي الذي مارسه الاخوان المسلمين أن قام ابراهيم باشا عبد الهادي الذي خلف النقراشي في رئاسة الوزارة باعتقال الآلاف من الاخوان المسلمين، وفي تلك الظروف تم قتل حسن البنا مؤسس التنظيم…

كان الإخوان هم من بدأوا ــ كعادتهم التي ستظل ملاصقة لهم في كل العهود ــ بالعنف والارهاب والتأمر، وكان تصرف الحكومة المصرية هو مجرد رد فعل، ورد فعل قانوني وسليم، وهو تقديمهم للقضاء ليقول في أفعالهم كلمته، الذي لم يكن امامه ــ مع دلائل ادانتهم الواضحة ــ إلا ان يحكم عليهم بالسجن…

ومن الملاحظ أن ذلك كله ــ قتل الإخوان المسلمين لحكمدار القاهرة ثم مستشار الاستئناف ثم رئيس وزراء مصر ــ تم في العصر الملكي، وهو العصر الذي يوصف في الادبيات المصرية في العقود الاخيرة بأنه عصر الديموقراطية والحكم المدني، وذلك قبل مجئ ” العسكر ” عام ١٩٥٢…

ومع مجئ جمال عبد الناصر “والعسكر ” أفسح للإخوان المسلمين مساحة كبيرة للحركة بعد يوليو ١٩٥٢ لم تكن متاحة لغيرهم، خصوصا مع حل الاحزاب السياسية…

وكعادة الاخوان بدءوا بالتآمر، ومع زيادة الاحتكاك بين ثورة ٢٣ يوليو والإخوان قرر الإخوان قتل جمال عبد الناصر !!!
وتمت المحاولة بالفعل مساء ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤ وفشلت محاولة الإخوان الأولي لقتل جمال عبد الناصر…
وكان رد عبد الناصر المنطقي هو تقديم الاخوان الي المحاكم، التي حكمت عليهم بأحكام مختلفة…

وهي المرة الثانية التي يصطدم فيها الاخوان المسلمين مع السلطة في مصر بعد اصطدامهم الأول بها أيام محمود فهمي النقراشي باشا أواخر الاربعينات… وفي العصر الملكي…

وهنا أيضا في المرة الثانية ــ كما في المرة الأولي ــ لم يمس أحدا الاخوان بأذي إلا بعد أن لجأوا الي عادتهم في التأمر ثم العنف والارهاب…

وفي بداية الستينات وعلي خلاف الدعاية الاخوانية التي تحدثت عن تعذيب بشع ــ اتضح أنه مجرد أكاذيب معتادة من الاخوان ــ أخرج جمال عبد الناصر جميع اعضاء الاخوان من السجن، بل وأعادهم الي أعمالهم التي كانوا بها قبل السجن، وتم تعويض أغلبهم ماديا… بل وفتح امام أعضاء منهم او متعاطفين معهم منابر الاعلام كمحمد الغزالي ومحمد محمود شاكر وغيرهم، وكانت كتبهم تصدر وتباع بصورة طبيعية….

كان عبد الناصر يريد فتح صفحة جديدة مع الاخوان، وكان من رأيه ان الوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد أولي من الصدام بينهم…

فماذا كان رد فعل الاخوان ردا علي يد عبد الناصر الممدودة لهم؟!
كان رد الاخوان هو محاولة اغتيال جمال عبد الناصر مرة ثانية !!

وهي المحاولة التي أوحت بها لإخوان الداخل _ مثل سيد قطب وزينب الغزالي ــ قيادات الاخوان في أوربا وخاصة سعيد رمضان، زوج ابنة حسن البنا وقائد التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وقد جاء ذلك بعد تراجع علاقات عبد الناصر بالولايات المتحدة في النصف الثاني من عام ١٩٦٤ وطوال عام ١٩٦٥ وما بعده….

وكان أن أوقفت أمريكا شحنات القمح لمصر وبدأت الحرب الكلامية بين جمال عبد الناصر وواشنطن… وبدأ معها تآمر أمريكا المباشر والصريح لإسقاط جمال عبد الناصر والتخلص منه… وبأي وسيلة…
وكان الاخوان – كعادتهم – مستعدين… وتحت الخدمة…

كان سعيد رمضان يعيش في سويسرا وعلاقته بالمخابرات الأمريكية والبريطانية معروفة ومشهورة، وكان قد قابل الرئيس الامريكي دوايت أيزنهاور في البيت الابيض في لقاء شهير عام ١٩٥٣…

وفشلت محاولة الاخوان المسلمين قتل عبد الناصر في صيف ١٩٦٥ واكتشف تخطيطهم، وأودعم قادتهم السجن، وأعدم بعضهم مثل سيد قطب…

وبالنسبة لسيد قطب ففي ظل سجون عبد الناصر كتب سيد قطب أهم وأشهر كتبه، مثل في ظلال القرأن ومعالم في الطريق، ومعركة الاسلام والرأسمالية وغيرهم… وهي الكتب التي ستصبح دستور جميع حركات الاسلام السياسي التي تبنت العنف والارهاب وسيلة للتغيير حتي اليوم…

ولا يعرف أو يفهم أحد كيف تم تعذيب الاخوان في السجون وأشهر رجالهم ألف أغلب كتبه المعروفة وهو في السجن، لا يفيق – كما قالوا – من هول التعذيب وقسوته !!!

وفي أواخر عام ١٩٦٧ أخرج جمال عبد الناصر من تبقي من الاخوان في السجون وعددهم حوالي ألف شخص، وبقي في السجن فقط الرؤوس الكبيرة لمؤامرة عام ١٩٦٥ وعددهم بضع عشرات…
وفي عدد الاهرام يوم ٢٢ ديسمبر ١٩٦٧ حوار مع وزير الداخلية شعراوي جمعة يعلن فيه أن عدد الاخوان في السجون حوالي ألف فرد، وبعدها بأيام ينشر الأهرام أن الإفراج الفعلي عنهم قد بدأ وخرج من السجن ٣٠٠ شخص كدفعة أولي…

وهو ما ينفي القصة التي راجت طويلا أن أنور السادات هو من أخرج الاخوان من السجون عام ١٩٧١، فمن اخرجهم السادات بضع عشرات من قيادات الاخوان، ولكن النسبة الاكبر خرجت من السجون في عصر عبد الناصر نفسه…

وهو ما ينفي ايضا قصة تحالف أنور السادات مع الإخوان طوال حكمه، فكل ما صنعه السادات هو أن أخرج البقية الباقية من الاخوان من السجن، وإذا قيل ان السادات أعطي الاخوان حرية الحركة في عصره فذلك لم يكن دقيقا، فقد تمتع اليسار بحرية أكبر، وعندما حل غضب السادات في أواخر عصره جاء شاملاً الجميع ولم يستثني أحدا…
ولكن قصة انور السادات مع التيارات السياسية ــ وبينهم الاخوان ــ في عصر تستحق حديثا منفصلا ومفصلا…

إرسال التعليق