ترامب و-الفرصة الأخيرة-: قراءة في مبادرة شرم الشيخ واحتمالات التوسّع نحو الحلول الإقليمية في الشرق الأوسط

مروان فلو

ترامب و”الفرصة الأخيرة”: قراءة في مبادرة شرم الشيخ واحتمالات التوسّع نحو الحلول الإقليمية في الشرق الأوسط

ملخّص
تتناول هذه الدراسة تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في قمة شرم الشيخ (أكتوبر 2025) حول “إنهاء الحرب في غزة”، وما تضمّنته من خطة شاملة من عشرين نقطة، ثم تنتقل لتحليل مدى جدّية المبادرة في ضوء الواقع السياسي والأمني، وإمكانية تعميمها على أزمات الشرق الأوسط، لا سيّما الملف السوري والتفاهمات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وإدارة دمشق المؤقتة.
تحاول الورقة ربط الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية في مقاربة واحدة، لفهم ما إذا كانت واشنطن بصدد إدارة أزمة جديدة أم الشروع في إنهائها فعلاً.
أولًا: مضمون تصريحات ترامب ومحتوى وثيقة شرم الشيخ
أعلن ترامب في القمة أنّ “الحرب في غزة انتهت” بعد توقيع وثيقة سلام متعددة الأطراف تضمّ الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر، وتستند إلى خطة من عشرين نقطة تشمل وقف إطلاق النار، تبادل الأسرى، المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار ضمن ضوابط رقابية محددة (1).
الوثيقة دعت إلى “بداية جديدة للشرق الأوسط”، وشددت على أن أموال إعادة الإعمار “لن تُستخدم في الإرهاب أو سفك الدماء” (2). كما أشاد ترامب بدور مصر والرئيس عبد الفتاح السيسي، واصفًا إياه بأنه “رجل قوي وصديق مقرّب”، مؤكّدًا أن القاهرة قادت بنجاح جهود الوساطة بين الأطراف المتنازعة (3).
من النقاط اللافتة أيضًا إعلان بدء المرحلة الثانية من مفاوضات السلام بين حماس وإسرائيل، مع وعود بأن تكون شرم الشيخ منصة لمتابعة التسويات اللاحقة (4). أما الرئيس المصري فاعتبر أن المبادرة تمثّل “فرصة أخيرة للسلام” في المنطقة (5).
ثانيًا: جدّية المبادرة بين الواقعية والرمزية

  1. مؤشرات الجدية
    تُظهر المعطيات الأولية أن لدى المبادرة أسسًا واقعية تستند إلى:
    توقيع وثيقة رسمية مشتركة بين أربع دول رئيسية ذات ثقل سياسي، ما يعكس نية جادة للالتزام الدبلوماسي (2).
    الشروع فعلاً في تبادل أسرى وإطلاق رهائن، وهو تطور ميداني ملموس يعزز المصداقية التنفيذية (6).
    الإشارة إلى ضوابط مالية ورقابية في إعادة الإعمار، بما يُحد من سوء استخدام الموارد ويزيد من شفافية التمويل الدولي (2).
    التخطيط لتشكيل قوة استقرار متعددة الجنسيات للإشراف على الهدنة وإعادة الإعمار، ما يعكس وجود تصور أمني-مؤسسي منظم (7).
  2. مؤشرات الشك والتحديات
    في المقابل، ثمة اعتبارات تُضعف مصداقية التحرك:
    غياب التفاصيل التنفيذية الدقيقة في الوثيقة، من حيث الجدول الزمني وآليات المتابعة والتوزيع الوظيفي (8).
    غياب الأطراف الأساسية (إسرائيل وحماس) عن التوقيع الرسمي، ما يجعل نجاح الاتفاق مرهونًا بتفاهمات لاحقة لم تُعلن بعد (8).
    صعوبات أمنية ولوجستية تتعلق بتأمين الحدود، تفكيك البنى التحتية العسكرية، وضمان الأمن الإنساني.
    الطابع الدعائي والسياسي؛ فترامب معروف باستخدام الخطاب الإعلامي الرمزي لتأكيد الزعامة أو الترويج الذاتي في الداخل الأمريكي (3).
    بذلك يمكن القول إن المبادرة تتأرجح بين الواقعية الجزئية والرمزية الإعلامية، وتحتاج إلى آليات تفعيل أكثر صلابة لتتحول إلى اتفاق مستدام.
    ثالثًا: آفاق التوسّع نحو ملفات الشرق الأوسط الأخرى
    السؤال المحوري هنا: هل تمهّد مبادرة غزة لتسوية شاملة تمتد إلى إيران والعراق وسوريا، أم ستفتح واشنطن “بابًا خاصًا” لكل ملف؟
    تشير مؤشرات السياسة الأمريكية في عهد ترامب إلى توجه نحو إعادة هيكلة النظام الإقليمي عبر ثلاث أدوات:
    ترتيب النفوذ بين القوى الكبرى (إيران، تركيا، إسرائيل، السعودية).
    تخفيض التصعيد مع بعض الأنظمة بهدف دمجها في النظام الاقتصادي والأمني الجديد.
    إعادة تعريف الوظيفة الأمريكية في المنطقة من التدخل العسكري المباشر إلى الوساطة السياسية والدبلوماسية النشطة (9).
    يرى باحثون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن واشنطن تميل إلى إدارة كل ملف على حدة، عبر “بوابات تفاوضية خاصة” تراعي اختلاف السياقات السياسية والعرقية لكل دولة (9).
    لذلك، من المرجّح أن تكون المبادرة الحالية نقطة انطلاق متعددة المسارات لا خطة شاملة واحدة، أي أن معالجة الأزمة السورية مثلًا ستتم ضمن إطار منفصل عن المسار الفلسطيني.
    رابعًا: الملف السوري وتفاهمات قسد – دمشق كاختبار مصداقية
    يُعدّ الملف السوري أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط.
    منذ عام 2011، شهدت البلاد انقسامًا سياسيًا وميدانيًا حادًا بين الحكومة المركزية، وفصائل المعارضة، والقوات الكُردية (قسد)، إضافة إلى وجود عسكري روسي وأمريكي في مناطق مختلفة.
    قوات “قسد” تُسيطر على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا بدعم أمريكي، فيما تؤكد دمشق أن تلك المناطق يجب أن تعود إلى سيادة الدولة.
    في السنوات الأخيرة، شجّعت واشنطن على حوار تدريجي بين إدارة دمشق المؤقتة وقوات قسد، بهدف دمج الأخيرة ضمن مؤسسات الدولة بطريقة تحفظ تمثيلها السياسي والعرقي (10).
    كما تم تخفيف بعض العقوبات الأمريكية على سوريا لتشجيع الانفتاح الدبلوماسي وإطلاق مشاريع إنسانية في الشمال الشرقي (11).
  3. مسار الحل المقترح
    يمكن أن يشمل السيناريو الأميركي – على غرار خطة غزة – المراحل التالية:
    المرحلة الأولى: هدنة داخلية وضمانات أمنية متبادلة بإشراف دولي.
    المرحلة الثانية: دمج تدريجي لعناصر قسد ضمن القوى الأمنية المحلية، مع استمرار الإدارة المدنية المشتركة.
    المرحلة الثالثة: إطلاق مشاريع إعادة إعمار بتمويل دولي ورقابة صارمة.
    المرحلة الرابعة: انتخابات محلية موسعة تضمن تمثيل جميع المكونات.
    المرحلة الخامسة: مراجعة دستورية لتحديد علاقة المركز بالأقاليم.
    هذه الخطوات، إن نُفذت، قد تُشكّل نموذجًا مصغرًا لتسويات جزئية ناجحة يمكن تعميمها لاحقًا على ملفات العراق ولبنان واليمن.
    خامسًا: بين إدارة الأزمة وإنهائها
    رغم ضخامة التصريحات، لا تزال الشكوك قائمة حول نية واشنطن إنهاء الأزمات فعلاً أم الاستمرار في إدارتها بشكل جديد.
    تاريخيًا، أدارت الولايات المتحدة أزمات الشرق الأوسط عبر أدوات مزدوجة: الضغط العسكري من جهة، والوساطة السياسية من جهة أخرى، ما جعل الأزمات قابلة للتمديد لا للحسم.
    لكن التطورات الاقتصادية والمالية الأمريكية بعد 2023 دفعت صُنّاع القرار إلى تبنّي مقاربة أقل كلفة وأكثر مرونة، تعتمد على “النفوذ غير المباشر” عبر التحالفات والمساعدات وإعادة الإعمار المشروط (9).
    وعليه، يمكن اعتبار مبادرة شرم الشيخ نقطة اختبار لمدى تحوّل واشنطن من إدارة الصراع إلى إدارة السلام.
    النجاح في غزة أو سوريا سيعني الانتقال من مرحلة “احتواء الأزمات” إلى مرحلة “تجفيف منابعها”.
    الخاتمة
    إن مبادرة ترامب في شرم الشيخ تعبّر عن تحوّل في المقاربة الأمريكية للمنطقة، يقوم على إدارة تفاوضية متعددة المحاور بدلًا من التدخل الأحادي.
    ورغم أن المبادرة تحمل عناصر جدّية ومؤشرات عملية، فإن نجاحها يعتمد على إرادة الأطراف المحلية، وضمانات التنفيذ، والدعم الدولي المتوازن.
    يبقى الملف السوري هو المعيار الحقيقي لمدى صدقية هذه التحركات، لأن التفاهم بين قسد ودمشق قد يُعيد رسم الخريطة السياسية لسوريا، ويفتح الباب أمام نظام إقليمي جديد يتجاوز إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار

إرسال التعليق