باسم خندقجي.. حين تحرّرت الكلمة قبل الجسد..
بعد واحدٍ وعشرين عامًا من الاعتقال، يخرج الروائي الفلسطيني باسم خندقجي من سجون الاحتلال لا بوصفه أسيرًا سابقًا، بل كأحد أبرز رموز الكتابة التي كسرت جدار السجن وجعلت من الزنزانة منبرًا ومنفًى في آن واحد.
في زمنٍ يذوي فيه الضوء، ظلّ باسم يكتب، لم يكتب ليهرب من قيدهوبل ليمنح القيد معنى آخر: معنى المقاومة الفكرية.
في كل روايةٍ له، كان يعيد تعريف الحرية. كتب “قناع بلون السماء” وقتو بجائزة كتارا ليصنع سماءه الخاصة من وراء الأسوار، وكتب “نرجس العزلة” ليحاور ذاته المحاصرة بين الحديد والقصيدة.
خرج باسم خندقجي اليوم، لكن كلماته سبقت خروجه بسنوات، سبقت خطاه إلى العالم، حاملةً وجع المعتقلين وكرامة الأسرى وأمل الأحرار.
كان يكتب باسم الجماعة، باسم كلّ من ضاع صوته خلف القضبان ولذلك أصبح اسمه مرادفًا لصوت الوطن وهو يُعيد خلق نفسه كل يوم من رماد الألم.
في تجربة باسم خندقجي، تتجسّد ثنائية الجسد المقيد والفكر المنطلق.
لقد قدّم مثالًا نادرًا على أنّ الكتابة ليست ترفًا، بل مقاومة ناعمة لا تقلّ عنفوانًا عن البندقية.
إنّ رواياته لم تكن مجرّد نصوص، بل بيانات روحية وسياسية تنتمي إلى مدرسة الأدب الفلسطيني المقاوم الذي لا يهادن ولا ينسى.
تحرّر باسم، فاهتزّ المعنى كلّه، تحرّر الكاتب الذي ظلّ يكتب من داخل جدران الزنازين، يوقظ العالم على حقيقة أنّ الإبداع أقوى من السجّان وأنّ الكلمة لا تُعتقل.
خروجه اليوم ليس حدثًا فرديًا، بل هو انتصار رمزيّ للثقافة الفلسطينية والأدب الفلسطيني، شهادة على أنّ القيد مهما طال لا يُطفئ النّور.
لقد خرج الجسد، نعم، لكن الروح كانت حرّة منذ السطر الأول الذي كتبه في أوّل دواوينه.
فيا باسم، أيّها الخارج من عتمة السّجن إلى فضاء السّماء،لقد أثبتّ أن الحرية لا تُمنح،بل تُكتب وتُكتب حتى تُصبح حقيقة.
( نوميديا جروفي)



