غزة..حين صمتت المدافع وبدأت الأرواح تعدّ خسائرها

بعد أكثر من 730 يوما من الإبادة، من حربٍ أنهكت الحجر والبشر، أعلنت الجهات الدولية مساء أمس عن توقّف الحرب في غزة ليُسدل الستار على فصلٍ دامٍ من تاريخ المنطقة.
المدافع سكتت لكن أصوات الأمهات لم تصمت بعد، والدماء التي سالت على أرصفة المدينة لا تزال رطبة، تشهد على ما لم يكتبه أحد بعدُ من تفاصيل الألم.
توقّف القصف لا يعني أن الحرب انتهت، بل إنّها دخلت مرحلة أخرى، مرحلة البحث عن ملامح الحياة في مدينةٍ أنهكها الحصار وسكنت بين أنقاضها آلاف القصص التي لم تُروَ بعد.
في الصباح الأول بعد الهدوء، خرج الناس بخطواتٍ حذرة،بعضهم نظر إلى السماء بشكٍ كمن لا يصدق أن الطائرات رحلت حقً وآخرون بحثوا عن بقايا بيوتهم بين الركام علّهم يجدون ما يشبه الحياة.
في المستشفيات التي كانت تضجّ بالمصابين عمّ صمت غريب، صمت يختلط بأنينٍ قديم بينما الأطباء يتجولون بين الأسرّة الخالية وكأنهم يفتقدون صوت الطوارئ الذي صار جزءًا من يومهم.
لكن خلف هذا المشهد الإنساني المؤثر، تلوح تحديات سياسية واقتصادية وإنسانية ضخمة.فغزة التي صمدت في وجه النار تواجه اليوم معركة الإعمار ومعركة العدالة ومعركة الذاكرة التي لا تمحى.
الوقف المؤقت لإطلاق النار لا يكفي إن لم يُترجم إلى حلٍّ عادلٍ دائمٍ يعيد للإنسان الفلسطيني حقّه في الأمن، التعليم، الماءوالكرامة.
لقد أظهرت هذه الحرب، كما الحروب السابقة، أن غزة ليست مجرد جغرافيا صغيرة بل رمزٌ عالميٌّ للصمود، وأنّ أبناءها يكتبون تاريخهم بالدم والإرادة لا بالحبر وحده.
اليوم وبينما تتنفس المدينة أول خيط من الهدوء، تبقى العيون مفتوحة على سؤالٍ كبير:
هل هذا السلامُ بدايةُ حياةٍ جديدة؟
أم مجرّد استراحةٍ قبل جولةٍ أخرى من الجنون؟
مهما كانت الإجابة، فإنّ غزة كعادتها ستنهض.
من تحت الركام، من رماد الحزن، من ذاكرة الأطفال الذين تعلّموا أن الحياة نفسها شكلٌ من أشكال المقاومة.

( نوميديا جروفي)

إرسال التعليق