من السابع إلى النصر..الحكاية بدأت ولن تنتهي إلا بالتحرير
بديعة النعيمي
كاتبة وروائية وباحثة
كان السابع من أكتوبر/٢٠٢٣ محطة مفصلية استطاعت كشف عمق التصدعات البنيوية في المشروع الصهيوني، ووضع الاحتلال البغيض أمام امتحان وجودي لم يسبق أن واجهه منذ إعلان كيانه عام ١٩٤٨ على أرض فلسطين الكنعانية.
في ذلك اليوم المجيد، باغتت المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب القسام، العالم، ونجحت في تنفيذ عملية مركبة من حيث الحجم والدقة والتوقيت والأهم الإيمان، واخترقت فيها واحدة من أكثر المنظومات الأمنية والعسكرية تحصينا في العالم، وجاءت العملية لتكون تعبيرا استراتيجيا عن إرادة مقاومة شعب محاصر في بقعة ضيقة مكتظة منذ سنوات كثيرة، كما جاءت معلنة رفضها لقواعد الاحتلال ومناخات الإذعان التي روج لها الكثيرون تحت لافتات “الردع” و”التطبيع” و”السلام الإبراهيمي”.
لأول مرة منذ عقود، وجد الكيان نفسه في موقع رد الفعل، مفكك القيادة، مهزوز الثقة، عاجزا عن السيطرة على مجريات الميدان أو احتواء الصدمة. ذلك لأن العملية ضربت في عمق الرواية الصهيونية التي ألصقت بجيش العدو “صورة الجيش الذي لا يهزم، والاستخبارات التي لا مثيل لها ولا تخترق”.
ولأجل ذلك كله، جاء الرد الصهيوني انتقاميا، عشوائيا، مفتقرا للبوصلة الاستراتيجية، متخبطا فاختار الذهاب نحو أقصى درجات الوحشية في القطاع، وعلى إثر الاختيار المجنون، استهدفت آلته الحربية الدموية، المدنيين والبنى التحتية والشجر والبشر والموتى في قبورهم، في محاولة يائسة لاستعادة هيبة زائفة وتأكيد قوة تآكلت صورتها.
ومع ذلك، وبعد عامين من القصف المتوحش والدمار الذي طال كل شيء والحصار الذي منع الحليب عن الرضع، لم ينجح في تحقيق أي من أهدافه المعلنة، فلم يقض على حماس كما توعد، ولم يحرر الرهائن كما وعد، وعوضا عن ذلك فقد ذهب “الردع” المزعوم أدراج الرياح ، وزادت انقسامات الجبهة الداخلية لدولته الزائلة. كما تكبد الكيان الدخيل خسائر فادحة سواء على المستوى البشري أو العسكري أو الاقتصادي والسياسي والمعنوي. وتسببت المعارك مع أبطال المقاومة الفلسطينية بآلاف القتلى والجرحى من جنوده ومرتزقته، وفقدان مئات الآليات والمعدات، ونزف الاقتصاد حتى بلغت الكلفة اليومية المليارات من الدولارات، ناهيك عن الشلل الكامل في القطاعات الحيوية وانهيار السياحة وتراجع الاستثمار الخارجي وغيرها من الخسائر التي لا تعد ولا تحصى.
لكن الجرح الأعمق كان داخل المجتمع اليهودي، حيث تصدعت الثقة بين الجيش والحكومة، وانفجرت الخلافات بين التيارات السياسية، وتراجعت الهيبة المزعومة للقيادات العسكرية، وتفاقمت الأزمة بين العلمانيين والمتدينيين، وبين دعاة الأمن وشركاء اليمين المتطرف، فسقط القناع لدولة الشتات.
ورغم الكلفة الباهظة التي دفعها أهلنا في غزة تحديدا، فالإرادة لم تنكسر، وراية الاستسلام لم ترفع ولن. بل إن المقاومة ازدادت بسالة وخاضت معاركها في كل مرة كأنها الأولى، بتماسك، وبأدوات بسيطة، وبنفس سياسي قادر على المناورة والصمود والتفاوض من موقع قوة، وهذا طبيعي فصاحب الحق هو الأقوى دوما.
ويكفي أن نقول للمشككين في قدسية يوم السابع من أكتوبر، يكفيه أنه فرض على الإقليم والعالم أن يعيدوا النظر في المعادلات التي افترضت أن قضية فلسطين طويت، واندثرت، وأن “السلام الاقتصادي” يمكن أن يحل محل الحقوق التي سلبت من أهلها.
كما يكفيه أنه فضح ازدواجية المعايير الغربية في التعاطي مع القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ويكفيه أيضا أنه اليوم وبعد عامين على زلزاله المبارك، لا يزال الكيان يعيش ارتداداته، في أمنه، في اقتصاده، في مجتمعه، وفي علاقاته الخارجية. بينما تقف غزة، رغم الموت والدمار والفقد والدموع، شامخة بإرثها النضالي ومقاومتها التي كسرت أطول احتلال في العصر الحديث، وفتحت الباب أمام أجيال جديدة تؤمن بأن النصر قادم لا محالة مهما طال الظلم.
كنا يكفي السابع من أكتوبر أنه سيكون بإذن الله تعالى بداية النهاية لكيان قام على القوة، وهو اليوم يترنح على وقع صمود أهلنا في غزة وعلى وقع شراسة المقاومة الفلسطينية الباسلة. وعلى وقع صوت الشهيد المناضل عز الدين القسام، نصر أو استشهاد.



إرسال التعليق