فيلم تياتنيك من جديد

أريد أن أتحدث حول فيلم التيتانيك مرة أخرى اليوم، لأني قرأت عديد من النظريات التي انتشرت مؤخرا والتي تفيد بأن روز مجرد خائنة وأن الفيلم زيّف هذه الخيانة وصوّرها في قالب الحب المعسول .
قبل كل شيء سبق منذ فترة طويلة أن كتبت مقالا حول قصة هذا الفيلم بالتحديد، القصة كانت هشّة جدا ومليئة جدا بالمغالطات المنطقية والسذاجة إن صح التعبير وهي السبب الرئيسي في نزول تقييم الفيلم، الفيلم تقنيا فلتة زمانه حرفيا، كصناعة سينمائية يعتبر هذا الفيلم ثورة حقيقية في عالم السينما خاصة أننا نتحدث عن فيلم نازل عام 97, لكن من حيث القصة الفيلم لم يكن بتلك الدرجة من القوة للأسباب التالية :
أولا قصة حب جاك الفقير وروز الثرية، قصة الطبقية الاجتماعية كانت قد بدأت تصبح مبتذلة فقد تم تجسيدها في أكثر من عمل من قبل ..
ثانيا الحوارات سطحية جدا في بعض المشاهد، مشهد إنقاذ جاك لروز المشهد الذي تعارفا فيه، كان الحوار فيه سطحي جدا كان ممكن أن يكون أكثر عمقا بكثير،الفكرة كانت جميلة فتاة على حافة الانهيار وتحتها المحيط وعلى متن سفينة تسير بأقصى سرعتها، وظهور شاب غريب عن مجتمعها وبيئتها لا تعرفه تماما فيقنعها بالعدول عن قرارها، كان يمكن أن يكون الحوار بينهما أكثر عمقا بكثير من تلك الركاكة التي حصلت، لا لاترغبين في رمي نفسك هاتي يدك !
ثالثا جوهر الصراع الدرامي في هذه القصة غير محترم تماما، أو خليني نقول غير متوازن، وهذا هو لب موضوع منشورنا، خطيب روز يحبها ، وليس لديه أي سبب للتمسك بها بهذا الشكل غير أنه يحبها فعلا، عائلتها مفلسة ومليئة بالديون، لكنه يحبها رغم ذلك ويهديها أغلى مجوهرة في العالم ، ويتمسك بها طوال أحداث الفيلم حتى عندما يدخل جاك في منافسته عليها، الفيلم حاول إظهار خطيبها – بسذاجة شديدة – على أنه الشرّير في القصة، لكن حين تتأمل القصة في جوهرها ، ستجد أن هذا الخطيب لا يملك أي سبب ليتعلق بفتاة مبتذلة مدللة شديدة التطلب سوى أنه يحبها فعلا وحارب بشراسة للحفاظ عليها حتى اللحظة الأخيرة من الفيلم، فلماذا يعتبر شرّيرا ؟
شخصية روز بدورها لا هي خائنة ولا هم يحزنون٫ هي شخصية مكتوبة لفتاة تكره عالمها وتكره الناس الموجودين فيه ولا تحب خطيبها الذي يريد أن يشتريها بماله وكانت على وشك رمي نفسها من السفينة لولا تدخل جاك، الحب الذي كانت تكنه لجاك حقيقي، دوافعه حقيقية ، طيب هل أنا اتناقض ؟ لا طبعا .. هنا المشكل كما قلت في توازن القصة، كاركتر كل شخصية مكتوب بشكل معين، لكن وضع هذه الكاركتارات كلها في قالب واحد مستحيل أن يصنع لك قصة منطقية اللبن لذيذ والسمك كلذلك لذيذ لكنك لا تستطيع صناعة أكلة تجمع بينهما وتحافظ على لذتها، هذه هي المشكلة الأساسية التي أشير إليها، كأن الفيلم يناقض نفسه بنفسه، فدوافع خطيبها للتمسك بها لم تكن الطمع، ولا الجشع، بل كانت الحب، .. لماذا تمسك خطيبها بها بدافع الحب يعتبر جريمة ؟ أليس هذا ما المفترض أن يفعله أي رجل مع أي فتاة يحبها ؟
تشعر وكأن الفيلم تم تجهيزه من جميع النواحي تقنيا، ثم تمت كتابة القصة في نهاية المطاف، وهناك كارثة أخرى في هذا الصدد، مأساوية الحادث طغت عليه القصة الرومنسية تماما، مات في حادث غرق السفينة المئات لكن المشاهدين ركزوا كل عواطفهم مع راكب واحد فقط .
العيب إذن في نهاية المطاف ليست في جاك ، ولا في روز، ولا في خطيبها، قصة الفيلم معطوبة من هذه الناحية، الفيلم جاب 11 أوسكار من أصل 14 ترشيح اكتسح الاوسكار لذلك العالم حرفيا لكن كل الجوائز كانت تقنية أفضل صورة، أفضل إخراج، سينيماتوغرافي، افضل ديكور .. الخ ، السيناريو لم يفز بالجائزة، وانتُقِد كثيرا على فكرة، يبقى بالنهاية أحد أجمل الأفلام التي أحدثت ثورة ونقلة نوعية في عالم السينما ..

إرسال التعليق