أفكار بسيطة غير ملزمة لأحد …

زكريا كردي

لعل من أكثر المقولات رسوخاً في الخطاب الديمقراطي الحديث ، تلك التي ترفع منزلة الحوار العقلاني ، إلى مرتبة الأداة المثلى والفضلى ، لتغيير القناعات الدينية و تشكيل المواقف السياسية ..
غير أن هذا التصور- في تقديري – وإن بدا وجيهاً في سياقات وبيئات معينة ، يُواجه في مجتمعاتنا المشرقية واقعاً مختلفا تماماً ,,
حيث أن التعبير عن رأي مخالف للفهم العام ( في الدين أو السياسة أو الجنس ) لا يُستقبل بفتح الشهية على الحوار ، أو بمزيد من الرغبة في التعلم و إغناء النقاش ..
بل يُقابل للأسف الشديد – غالباً – بعواصف من النفور و التكفير ـ و زوابع من الاستهجان والتكذيب ، و ربما بالترهيب والنبذ الاجتماعي ، أو التهديد العلني بالقتل الجسدي أو النفسي ..
فبدلاً من أن يكون الحوار السياسي أو الديني مساحةً للتعلّم ، و فرصةً للإستفهام ، يتحوّل بسرعة مذهلة ، إلى حلبة صراع شخصي ، تتغذّى على الانفعالات الخطرة ، وسرديات الاوهام ـ أكثر بكثير مما تستند إلى معطيات العقل أو مبادئ المنطق…
في زعمي ، هذا الانحراف السلوكي والتدهور العقلي العام ، لا يمكن اختزاله في خلل أسلوبي أو ضعف في تقنيات التواصل، بل هو انعكاس لبنية ذهنية ثقافية ، تشكّلت عبر تراكمات تاريخية ، وأسهمت في إنتاج نمط من الأفهام القاصرة على التعلم ، والأذهان البسيطة الرافضة تماما للتفاهم ، وغير المؤهلة لأي شكل من أشكال الحوار النقدي المعروفة حتى الان .
الإنسان الشرقي بعامة ، إنفعالي غيبي ، أكثر من غيره ، (لأسباب كثيرة جغرافية ودينية و و و) ، لا يتصرّف – عادة – كذات فردية عقلانية مستقلة ، بل ككائن عاطفي وفهم تسليمي مأخوذ بالخطاب واللغو ، وكثيرا ما يحسب أن الغامض حق ، وأن ما يقوله فقط ، صار فعلا و واقعاً ..
يميل إلى الاستسهال المعرفي ، ويتهرب من مسؤولية التفكير، ويخشى المجهول ، لهذا تجده يركن سريعاً إلى ما يُقدّم له جاهزاً من فكر الإعلام ولغو المنابر، ليعيد اجتراره دون أيّة مساءلة منطقية أو انتباه إرادي.
لهذا نجد ان المواقف السياسية والدينية لديه – في الغالب – لا تُبنى على التمحيص بالحجة أوالمنطق، بل على الانتماء والتقليد ، والتجارب الشخصية ومراضاة البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها …
من هنا ، أنا أزعم ، إن تغيير العقول لا يتحقق عبر تدبيج المقالات أو الترويج للمنتديات والمناظرات فقط ، بل عبر تغيير الشروط التعليمية التي تنتج تلك العقول الممسوخة ، وتعمل على تكاثر تلك الافهام الميتة.
وهذا يتطلب بناء علاقات حقيقية ، ومناخات سياسية آمنة ، وتنظيماً مجتمعياً، وتوسيعاً تشاركياً جاداً ، بما يغني أفق ثقافة الانفتاح على التجربة العلمية والفلسفية الإنسانية أولاً وقبل أي شيء ..
قبل ان أختم علي أن أؤكد ان كلامي هذا لا يعني نفياً مني لدور ما يحصل من نشاط (على ضآلة دوره وتأثيره )، ولا إنكاراً لقيمة الحوار – في حد ذاته – ، بل أفكاري هذه ، هي مجرد دعوة ( لنفسي أولاً ) لإعادة التفكير في شروط الحوار وأدواته ، بحيث يتحول من ترف ثقافي أو جدل عقيم (كما هو حاصل الان ) إلى فعل اجتماعي منسق ومفيد ، وسلوك يراكم الفهم والمعرفة، وليس البغضاء والكراهية أو التمييز …
قصارى القول :
اعتقد من اجل بناء واقع علمي ومعرفي سوي، يهدف حقاً ، إلى تغيير الواقع الراهن ، وإعادة تشكيل الذات ..
علينا أولا وقبل اي شيء ، ايجاد نمط معرفي جديد، ومنهاج تعليمي مفيد.والعمل على تأسيس حوار مختلف ..
حوار ينبثق من القلق الناتج عن الدهشة، الدافع إلى الشك المنهجي، والقائد إلى مزيد من التساؤل والتفكير النقدي، لا إلى بريد الاجترار و التكرار وحديد التعصب والانغلاق. ..
فالمسألة ليست في إمتلاك أحدنا ملكة الخطابة، و الابداع في رغوة الكلام ، بل في نوع الوعي الذي يتكلم ، وفي شكل البنية التعليمية التي تتيح للفرد الاصغاء والتفاعل ، أنْ يحترم ويُحترم ، أن يسمعْ ويُسمع ـ كي يكون لدينا درباً حقيقياً، نحو البحث عن حقائق جديدة، مفيدة للإنسان ككل.

إرسال التعليق