هذا ما جاء في رسالة الشيخ الطاهري لسكان ولايتي إليزي وجانت.. ؟

بعث الخليفة العام للمدارس الطاهرية بالجزائر وخارجها الشيخ مولاي عبدالله طاهري السباعي رسالة مفتوحة إلى سكان ولايتي إليزي وجانت:

إلى أبنائي وإخواني وأحبّتي وتلامذتي الأعزاء في منطقة أزجر وولايتي إليزي وجانت،

أكتب إليكم هذه الكلمات بقلـبٍ مفعمٍ بالمحبّة والشفقة، وبعينٍ دامعةٍ على ما بلغني من أخبارٍ مؤلمةٍ تُحدِث في النفس جرحًا، وفي القلب وجعًا.

لقد كنتُ – واللهِ – أُحدّث الناس عنكم وأفتخر بكم، وأُثني على حُسن سيرتكم، وما ألفتُه فيكم من وحدة صفٍّ، وتآخٍ صادقٍ، ورجاحة عقلٍ، وتعاونٍ على البرّ والتقوى، حتى كنتم مضربَ المثل في التآلف ونبذ الخلاف. غير أنّ ما نُقِل إليَّ من نزاعاتٍ وفرقةٍ بين بعضكم أحزنني وأبكاني، وأوجع قلبي كما يوجِعُ قلبَ الأب حين يرى أبناءَه وقد تفرّقوا بعد اجتماع، وتنازعوا بعد صفاء.

يا أحبّتي،

إنّ الفتنةَ نارٌ إذا اشتعلتْ أحرقت الأخضر واليابس، ولا تبقي إلا الندم، والشيطانُ – عدوّكم القديم – لا يفتأ ينفخ في نارها، ليُفرّق بين الإخوان ويُضعف الأوطان.

فاتقوا الله في أنفسكم، واطفئوا جذوتها قبل أن تتّسع رقعتها، واعلموا أنّ الصلح خيرٌ، وأنّ الحكمة والعقل هما تاجُ المؤمن وميزانُ رجولته ورُشده.

عودوا إلى ما عرفتُه منكم من التؤدة والحِلم وسعة الصدر، فأنتم أهلُ مروءةٍ ورزانةٍ، لا تستخفّكم العواطفُ العارضة، ولا تنطلي عليكم دعواتُ الفرقة، بل كنتم – ولا زلتم بإذن الله – أصحابَ كلمةٍ واحدةٍ وقلوبٍ متآخية.

تذكّروا قول الله تعالى:

﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾

واجعلوا هذه الآية نُصب أعينكم، فإنّها ميزانُ النصر، وسرُّ القوة، ومفتاحُ البركة.

واعلموا أنّ الشيطان لا يدخل على القلوب الصافية إلا من باب الغضب والأنانية وسوء الظن، فسدّوا تلك الأبواب بالتعقل والحلم، وراقبوا الله في أقوالكم وأفعالكم، وكونوا على يقين أنّ من أصلح ذات بينه أصلح الله أمره كله.

أيها الأحبّة،

لا تجعلوا للفتنة بينكم موضعًا، ولا تسمحوا لمكر المفسدين أن يجد طريقًا إليكم، واعلموا أنّ الخلاف لا يُحَلُّ بالعنف ولا بالتعصب، وإنما يُطفَأ بالحوار والتشاور، وبسماع الكلمة الطيبة من العقلاء والحكماء، الذين يُؤْثِرون المصلحة العامة على الرأي والهوى.

واذكروا دائمًا أنّ الدنيا قصيرة، وأن أعمارنا محدودة، وما أجمل أن يلقَى المرءُ ربَّه وقلبُه نقيٌّ لا يحمل ضغينةً ولا حقدًا على أحد. فاستبقوا الخيرات، وكونوا كما عهدناكم صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضُه بعضًا.

واللهِ إنّي لأبكي بكاء المتألم على ذلك الوئام الجميل الذي جمعكم، وعلى تلك الأخوة الصادقة التي كنتُ أتباهى بها في المجالس، فهلا عدتم إلى رشدكم، وأحييتم ذلك الصفاء الذي ميّزكم عن غيركم؟

أيّ أرضٍ تقلّني وأيّ سماءٍ تظلّني وأنا أرى بين أبنائي هذا التشتّت؟!

دعوا الفتنة يا أحبّتي، فإنها خبيثةٌ خبيثةٌ خبيثة، لا تُثمر إلا الندامة.

أسأل الله أن يُؤلّف بين قلوبكم، ويُصلح ذات بينكم، ويهديكم سواء السبيل، وأن يجعل منكم قدوةً في التآلف والإصلاح، كما كنتم من قبل أنموذجًا يُحتذى في المحبة والتعاون والوفاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرسال التعليق