تعاليق حرةتقاريرتقارير وأخبار

كل نفس تأخذه

*
م. فوزي
.

كل نفس تأخذه؛ (Every Breath You Take) فيلم إثارة نفسية أمريكي لعام 2021 من إخراج (فون شتاين)، وكتبه (ديفيد موراي). يتابع الفيلم حياة طبيب نفساني انتحرت إحدى مرضاه، ويجد حياته الأسرية مضطربة بعد تقديم شقيقها المفترض الباقي على قيد الحياة لزوجته وابنته.
يبدأ الفيلم بحادث سيارة تقودها زوجة الطبيب، وكيلة العقارات، يتسبب في مقتل ابنها. بعدها، تنتقل الزوجة للعيش في بيت جديد مع زوجها الطبيب النفساني الدكتور وابنته الشّابة. يلقي الدكتور فيليب محاضرة يبيّن فيها كيفية ومدى نجاعة علاجه لمريضته التي تمكّنت من التخلّي عن العلاج الدوائي عندما وثقت في طبيبها الذي صارحها بمشاكله وخصوصياته التي لم يصارح بها حتى زوجته، مما جعله محل استهجان من طرف زملائه في المستشفى الجامعي.
تعاتب المسؤولة على قسم العيادة الدكتور على طريقته في العلاج، التي لا تسير حسب طريقة العلاج المعروفة. يتلقى الدكتور خبر انتحار مريضته المقربة، يتم إحالة الدكتور بسببها إلى مجلس التأديب، وتخبره زوجته في نفس الوقت أن ابنته الوحيدة تم طردها من المدرسة لحيازتها للكوكايين. ويلتقي الدكتور بالشقيق المفترض لمريضته التي انتحرت، يأتي هذا الأخير إلى بيت الدكتور ليوطّد علاقته بابنته ثم ينفرد من بعد ذلك بزوجته ويقوم باختطافها.. و يتبيّن للدكتور فيما بعد أنّه انتحل شخصية شقيق مريضته المنتحرة، وأنّه من وراء كل المصائب التي حصلت وتحصل له جملة واحدة.
على الرّغم من أن الفيلم لم يحقّق نجاحا كبيرا كغيره من الأفلام، إلّـا أن هذا لا يعني شيئا؛ لأن المعايير التي يتم من خلالها تقييم الفيلم معايير مشبوهة، تدخل فيها حسابات لها علاقة بالخلفيات السياسية والإيديولوجية. وإن المسألة في النهاية مسألة نسبية، والانطباع الذي يمكن أن يميّز فيلم على آخر له علاقة بالظروف الشّخصية؛ النفسية، والعقلية، والعاطفية.
هذا النوع من الأفلام التي قد لا تستقطب كثيرا من اهتمام محبّي الأفلام الأخرى مثل ”الأكشن“ على سبيل المثال؛ بسبب البرودة التي تُميّزه عن أفلام الحركة، إلّـا أنه ومع ذلك، يحمل معه الكثير من الأمور التي لها صلة بالواقع المرير الذي نعيشه وتعرفه كثير من العوائل والأفراد داخل الأسر.
ما يمكن أن نستخلصه من خلال هذا الفيلم هو:
أوّلا: هو أن حضور الأب، باعتباره رب الأسرة والمسئول الأوّل على البيت، مهمٌّ جدّا وجدّ ضروري للأسرة وأفرادها. يجب أن يكون هذا الحضور وجدانيّا ومشاعريّا نفسانيّا، وليس مجرّد حضورا بالجسد فحسب. لأن هذا النوع من الحضور بالجسد الذي نراه اليوم في ظل السيطرة المطلقة التي فرضتها وتفرضها هذه الوسائل التكنولوجية الحديثة، المتمثّلة في الهواتف الذكيّة، عبارة عن حضور بارد وجاف، لا يسمن ولا يغني من غياب المشاعر، ولا يملأ فراغا؛ تنشغل العقول بالخارج حتى وهي في البيت: ”كما حدث للدكتور صاحبنا“. فليس الشّغل، ولا التفكير المضني في أمور الحياة وفي جمع المال بإمكانه أن يجلب لنا الرّاحة والطمأنينة، والسعادة المنشودة داخل البيت. على الرغم من أن الغاية من جمع المال هو توفير حياة الرفاه لنا و لأفراد الأسرة.
ثانيّا: أن الدبلوم والمكانة الاجتماعية والمنصب، مهما كانت أهميّته… كل ذلك لا يعني شيئا، ولا يعكس مدى الذكاء ولا الدهاء، من الذي يجب على الآباء أن يتحلّوا به إذا أرادوا تحصين أنفسهم وذويهم من البلايا العظام التي قد يتعرضوا لها ومن مكر وخبث الحاقدين والحاسدين المتربّصين بهم وأبنائهم وذويهم.
لهذا أعتقد أن مثل هذه الأفلام تستحق كل الجهد والأوقات من التي نصرفها في مشاهدتها، لما تحمله من رسالات مشفّرة تستجدي معالجتها و تفكيكها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى