الحدث

التمييز العنصري

رحيم حمادي غضبان

كرّم الله الإنسان وفضّله على كثير من خلقه، ومنحه نعمة العقل، ليكون بذلك مهيّأ لتحمّل مسؤولية الخلافة في الأرض، كما جاء في قوله تعالى:
“وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (البقرة: 30).
هذا التكريم الإلهي ليس مجرد تفضيل، بل هو عهد ومسؤولية أخلاقية وروحية، تدعو الإنسان إلى عمارة الأرض بالعدل والمساواة والرحمة. ولكن المؤسف أن الإنسان، رغم هذا المقام، كثيرًا ما يخذل المعنى الذي خُلق من أجله، ويتحوّل من خليفة إلى أداة قهرٍ وظلمٍ لأخيه الإنسان.

في عالم اليوم الذي يُوصف بالعصر الحديث، وعصر التكنولوجيا والمدنية، نرى أن التمييز العنصري والديني لا يزال قائمًا، بل ويتعمّق. يُحكم على الإنسان بناءً على دينه، أو عرقه، أو لونه، أو لغته، أو حتى طبقته الاجتماعية ومستوى تعليمه. وظهرت مفردات ومصطلحات لم تكن شائعة من قبل، لكنها أصبحت تُستخدم لتبرير التفرقة والكراهية، مثل: “الإرهاب”، “الإسلاموفوبيا”، “التطرّف”، “اليمين المتشدّد”، “الدين السياسي”، وغيرها، وغالبًا ما تُستخدم هذه المصطلحات في إطار سياسي أو إعلامي لشيطنة جماعات أو أمم بأكملها.

بينما الحقيقة أن جميع الأديان السماوية جاءت لترفع من شأن الإنسان وتحثّ على احترامه. ففي الإسلام، يقول الله تعالى:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات: 13)،
وهي دعوة عالمية للمساواة وإلغاء الفوارق الظاهرة التي لا تعبّر عن جوهر الإنسان.

وفي المسيحية، نجد في رسالة بولس إلى أهل غلاطية:
“لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلا يُونَانِيٌّ، لَيْسَ عَبْدٌ وَلا حُرٌّ، لَيْسَ ذَكَرٌ وَلا أُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غلاطية 3:28).
وفي اليهودية، ورد في سفر التكوين:
“فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ” (التكوين 1:27).
وهذا تأكيد على وحدة الأصل الإنساني، وسموّ قيمة الإنسان أيا كان انتماؤه.

لكن الواقع الحديث يسير في اتجاه مناقض لهذه القيم. فقد أشار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أن “السلطة تُنتج الحقيقة”، بمعنى أن الخطاب السائد حول مفاهيم مثل الإرهاب أو الأمن أو حقوق الإنسان، ما هو إلا انعكاس لمصالح القوى الكبرى. أما المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، فانتقد ما أسماه “ازدواجية المعايير”، وقال: “حقوق الإنسان غالبًا ما تُستخدم كذريعة لتبرير التدخل، لا لحماية الضعفاء”. وأما إدوارد سعيد، فشرح في كتابه “الاستشراق” كيف أن الغرب صاغ صورة نمطية عن الشرق والمسلمين، ليبرّر استعمارهم وإقصاءهم.

وفي ظل هذا الخطاب الموجّه، تقف كثير من المنظمات الدولية – التي تدّعي حماية الإنسان – موقفًا هشًّا. فهي تدين الظلم حين يكون مرتكبه ضعيفًا، لكنها تصمت أمام جرائم دول قوية أو ذات نفوذ سياسي واقتصادي. وبذلك، تحوّلت شعارات مثل “العدالة الدولية” أو “حقوق الإنسان” إلى أدوات سياسية، لا مبادئ إنسانية.

والمأساة الأشدّ مرارة، أن الإنسان بات ينهش لحم أخيه الإنسان، تمامًا كما وصف القرآن الكريم حين قال:
“وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ” (الحجرات: 12).
هذا التصوير القرآني البليغ لا يُقصد به الغيبة فحسب، بل كل فعل ينال من كرامة الإنسان أو يؤذيه ظلمًا وعدوانًا، فهو أكلٌ للحمه بالمعنى المجازي العميق.

رغم كل هذا التقدّم العلمي والتكنولوجي، فإن الإنسان اليوم بحاجة إلى مراجعة نفسه، وإعادة النظر في علاقته بالآخر. لقد آن الأوان لثورة أخلاقية وروحية تعيد التوازن، وتردّ الإنسان إلى إنسانيته، ليكون كما أراده الله: خليفة في الأرض، لا جبّارًا فيها.
فالله لم يخلقنا لنتصارع ونتقاتل، بل لنكون دعاة سلام ومحبة، ولنعمر الأرض بالقيم، لا بالدماء. ولعل أعظم عبادة في هذا العصر، أن نتمسّك بإنسانيتنا، وننحاز للحق، ونرفض الظلم، ونصون كرامة كل إنسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى