لماذا لا يسمح نظام السوق تدخل الدولة بشؤونه ؟
محمد رضا عباس
اذا دخلت بغداد سوف لن تجوع لكثرة المطاعم فيها , ومن كل الأنواع , حتى وصل الامر ان بعض المطاعم بدأت تقدم وجبات غذائية عضوية , لحوم و خضار لم يضاف في غذائها وسقيها مواد كيمياوية .
لماذا لم تقوم الحكومة العراقية بتحديد اعدادها , على سبيل المثال عن طريق الاجازات ؟ اليك الجواب .
السبب هو ان النظام الرأسمالي الحر ( نظام السوق) يركض وراء الكفاءة في الإنتاج , أي زيادة الإنتاج باقل التكاليف , او قل ” البقاء للأقوى”, او ” البقاء للأصلح ” .
لو افترضنا ان بغداد تحتاج الى الف مطعم , ولكن الموجود هو الفين , بكل تأكيد ستكون المنافسة بينهم على اشده من اجل البقاء , والمطعم الذي ليس له القدرة على المنافسة سوف يخرج من السوق مندحرا .
ولهذا السبب تجد التنوع في المطاعم على الرغم من ان وظيفتها متشابه , وهو سد جوع الزبون . أي أصبحت المطاعم في بغداد تأخذ منحى تركيبة اقتصادية تسمى المنافسة الاحتكارية . أي في الوقت الذي تتنافس المطاعم على جذب الزبون , الا ان هذه المطاعم لها القدرة أيضا على اختيار السعر المناسب لطبق الطعام الذي تقدمه الى زبائنها دون الخوف من رد فعل المطاعم الأخرى . لماذا ؟
لان في هذا السوق يجتهد كل مطعم بان يكون متميزا عن الاخرين , مثل موقع المطعم الراقي , الإضاءة والديكور , وجود مراب للسيارات , قربه من احد المعالم التاريخية او الدينية او البيئية , تفرد المطعم بطبق مميز , سعة حدائقه , تردد شخصيات معروفة له , النظافة , تنوع المقبلات , حرارة الاستقبال , وطبعا الأسعار.
رخص سعر طبق الطعام يجذب الزبائن من طبقة معينة . على سبيل المثال , هناك مطعم محمول على عربة تقف بالقرب من سوق الهرج القريب من جامع الحيدرخانة في بغداد , وهي منطقة اغلب مترددين لها من الطبقة الفقيرة. صاحب المطعم يكاد لا يتوقف من كثرة الطلبات , لان سعر وجبته هو الف دينار , وهو مبلغ يعادل 80 سنت امريكي , يحصل الزبون بهذا الثمن على طبق رز مع فاصولية “حبيبة العراقيين” وصمونه مع قنينة ماء .
وهكذا , فان أي مطعم غير متميز عن غيره يكون مصيره الاغلاق , والاجمل سوف لن تسمع من الاعلام المحلي ابيات شعرية تندب حظ صاحب المطعم او سب وشتم للحكومة ” الفاسدة” التي لم تستطع حماية المطعم من الاغلاق .
وعليه , فان نظام السوق يسمح للمواطن اختيار نوع عمله , مكانه , وطريقة ادارته . الدولة لا تستطع ان تامر شركة لصنع الاثاث في اختيار بغداد او بعقوبه او الديوانية او الموصل مقرا لها . ولا تستطع الدولة اجبار مواطن على اختيار مهنته , وانما تتركه له . من المفروض ابن البصرة يستطع اتخاذ أربيل مكان لعمله ان لم يطيق جو مدينته .
طبعا هذا لا يعني ان تتفرج الحكومة وهي تشاهد مشكلة في اقتصادها. الدولة مسؤولة عن توفير عمل يناسب مواطنيها , والدولة مسؤولة عن تشريع القوانين التي تحمي الزبائن , العمال, وأصحاب الاعمال. والدولة مسؤولة عن محاربة التضخم المالي في البلاد اذا جاوز الحد المسموح له , وعليها حماية الاقتصاد الوطني من التراجع . والاهم حماية الشارع العام من العصابات المنظمة و القوى الإرهابية حيث اثبتت الوقائع انه لا تنمية ولا ازدهار بوجود سلاح منفلت وعصابات تجوب الشوارع وترعب الناس .



إرسال التعليق