دولة على الورق تحت الاحتلال..عبثية الاعتراف الغربي بفلسطين
بديعة النعيمي
كاتبة وروائية وباحثة
بالرغم من أن الاعتراف البريطاني الأخير بدولة فلسطينية يبدو للوهلة الأولى تحولا إيجابيا في مواقف القوى الغربية تجاه قضية فلسطين، إلا أن هذا الاعتراف يفتح جرحا تاريخيا أعمق مما تحاول هذه الخطوة الرمزية مداواته. فأن تأتي بريطانيا، القوة الاستعمارية التي قدمت فلسطين لليهود على طبق من خيانة، لتعترف اليوم بدولة فلسطينية، لهو مفارقة سياسية وتاريخية تستدعي منا التفكير العميق لا التصفيق والتصديق.
ذلك إن جوهر التناقض يكمن في أن هذا الاعتراف يُمنح في الوقت الذي تُمزق فيه الضفة الغربية بإقامة المزيد من المستوطنات، وتتسارع فيه وتيرة التهويد، كما وتُحاصر فيه غزة ويباد أهلها. فكيف يكون هذا الاعتراف فيما هذه الدولة، لا تملك سيادة على أرضها، ولا على سمائها، ولا تملك حتى منفذا حرا إلى العالم؟ بل كيف يمكن لهذا الاعتراف أن يكون في ظل الواقع الذي يفرضه الاحتلال بقوة السلاح، والفظائع اليومية على الأرض؟ إن أعترافا كهذا في الحقيقة ما هو إلا ذر للرماد في العيون.
فبريطانيا التي تعترف اليوم هي نفسها تلك التي منحت، عبر ما يسمى ب “وعد بلفور” عام ١٩١٧، ما لا تملك لمن لا يستحق، حين تعهدت بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، متجاهلة تماما وجود شعب تاريخي أصيل يمتد وجوده لآلاف السنين، والحق الطبيعي لهذا الشعب في تقرير المصير.
هذا الوعد الذي كان كافيا لتقويض مستقبل أمة كاملة، وأطلاق شرارة مشروع استيطاني استعماري ما زال أصحاب الأرض الشرعيين يدفعون ثمنه حتى اليوم.
بريطانيا، في كل مراحل انتدابها على فلسطين، لم تكن سوى راعية للمشروع الصهيوني، فهي التي دعمت هجرة اليهود، وهي التي وفرت الحماية القانونية والمؤسساتية لنشوء بنية تحتية لدولة الاحتلال قبل أن تُعلَن رسميا. بل إن الحركة الصهيونية تلقت دعما سياسيا وعسكريا ولوجستيا مباشرا من سلطات الانتداب البريطاني، في الوقت الذي كانت تُلاحق فيه الثورات الفلسطينية وتخمدها بالقوة، كما حدث في الثورة الفلسطينية الكبرى بقيادة الشهيد عز الدين القسام عام ١٩٣٦.
ولعل الأكثر استفزازا في هذا الاعتراف أنه يأتي بدون مراجعة نقدية حقيقية لدور بريطانيا في تفكيك النسيج الفلسطيني وتحويله إلى شتات. لذلك فهو ليس أكثر من بيان سياسي ظاهره دعم لحقوق الفلسطينيين، وباطنه، تنصل من المسؤولية التاريخية. فأن تعترف دولة مثل بريطانيا بدولة فلسطينية وهي من شرّعت ضياعها منذ البداية، فكأنما تقدم لمريض بداء عضال مسكنا بعد أن تسببت في إصابته بهذا الداء.
وكيف تكون دولة والمستوطنات اليوم، تنتشر كالأورام السرطانية في جسد الضفة الغربية؟؟. فتلك الدولة لا تقوم على أوهام الاعترافات الدولية، بل على إزالة الخلية السرطانية الأم واستعادة الأرض والسيادة الكاملة عليها من البحر الى النهر ومن الشمال إلى الجنوب والسيطرة على الموارد والمعابر، فقط بهذا تسمى الدولة دولة وغير ذلك إنما يندرج تحت الأحلام الوردية التي ما تلبث أن تتطاير عند مغادرتها.
والأسوأ من ذلك، أن المجتمع الدولي، وعلى رأسه القوى التي تدعي الاعتراف بفلسطين اليوم، يواصل علاقاته السياسية والاقتصادية والعسكرية مع دولة الاحتلال دون أن يفرض عليها أي تكلفة حقيقية لسلوكها الاستيطاني والاستعماري. فأية دولة تلك التي تولد على الورق؟؟
إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية دون إنهاء الاحتلال، ليس سوى خطوة فخرية تضاف إلى سلسلة طويلة من التصريحات والمسكنات الدولية الواهية التي لم تغير شيئا في الواقع الفلسطيني منذ أكثر من سبعة عقود.
والحقيقة أن فلسطين اليوم ليست بحاجة إلى اعترافات كاذبة من صليبيي الأمس، فلسطين اليوم بحاجة إلى من يقتلع هذا الكيان الشاذ الذي تجبر وتمرد، والحل هو المقاومة والسلاح معا. والدول التي تدعي الاعتراف تضع شرطا لاعترافها، اجتثاث هذا السلاح من يد الفلسطينيين ، فأي شعب يقبل بهكذا شروط؟؟؟ وأي دولة حقيقية في العالم لا يكون السلاح واحدا من مقومات وجودها؟؟؟



إرسال التعليق