قانون تشريع و ادارة

                   محامي مَلَكة الدفاع

في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف من صباح يوم الأربعاء الموافق (١٧ / ٩ / ٢٠٢٥) باشرنا في اللجنة الثقافية بنقابة المحامين العراقيين محاضرةً داخل مقر نقابة المحامين. قلت للحضور فيها وأنا أقدم الأستاذ المحاضر لهم: أجزم أنها ستكون مميزة ومختلفة عن غيرها، وستخرجون منها ليس كما دخلتم. وجاءت هذه المحاضرة جزءاً من نشاطات لجنتنا الثقافية في نقابة المحامين العراقيين، وبتوجيه ومتابعة مباشرة من نقيب المحامين الزميلة أحلام اللامي. وكانت بعنوان: “محامي: مَلَكة الدفاع”، ألقاها الفقيه القانوني البروفيسور الدكتور محمد سليمان الأحمد، أستاذ القانون الخاص في كلية القانون في جامعة السليمانية، ورئيس مركز البحوث القانونية في وزارة العدل في إقليم كوردستان العراق.

وتطرق في بداية محاضرته إلى استقلال مهنة المحاماة وعدم تبعيتها لأية جهة، ناهيك عن عراقتها وقِدَمها، فالمحامي رغم عدم تبعيته لمؤسسات الدولة، إلا أنه يشاركها في تحقيق أهم قيمة، ألا وهي قيمة العدالة.

فالمحامون من علية القوم، حتى إن في مصر معظم من يمتلكون ألقاب الباشوات هم المحامون.

والمحامي هو أقوى جسر بين الجانب النظري والجانب العملي، فهو من يثير الفكرة للمحكمة، فما حكم القاضي إلا نقل بين فِكَر المحامين المترافعين، فالمحامي مُنشِئ للفكرة بينما القاضي غالباً ما يكون ناقلاً لها.

وكل ذلك حتّم على المحامي أن يمتلك مَلَكة تحصنه في عمله، والتي لا تأتي بمجرد امتلاك المعلومة، وإنما تحتاج لتطوير الذات وامتلاك ثقافة عامة، سواء في العلوم المتصلة بالقانون أو حتى غير المتصلة به.

والمحامي أكثر شخص يعصر فكره حتى أكثر من أساتذة الكليات، وبالتالي هي مهنة ليست سهلة وتكتسب بمرسوم جمهوري أو تعيين، وإنما هي إبداع يُصنع باستمرار، لا سيما وأن المحامي جسر بين الفقه والقضاء، فأقدر من يستطيع التعليق على أحكام القضاء هم المحامون، ومن خلال أفكارهم وآرائهم تُبنى النظريات والقواعد القانونية، بل في فرنسا يعتبرون المحامين مصدراً غير رسمي للقانون، كونهم من خلال مذكراتهم ينتجون نصوصاً قانونية على المدى الطويل، وما نظرية الظروف الاستثنائية المهمة في القانون سوى من بنات أفكار المحامين، وتولدت من مذكراتهم، خاصة أن مذكرات المحامين كانت رصينة جداً وفيها بحث وإبداع بحيث بلغت في بعض الدول أكثر من مائة صفحة، أما الآن فمما لا يخفى هناك تراجع مع الأسف في هذا الجانب، مما انعكس على أحكام القضاء أيضاً، فالخلل إن وُجد في الحكم القضائي سببه الخلل في مرافعات ومذكرات المحامين.

فملكة المحامي هي درايته والإحاطة بالتخصص، فهي الذاكرة المهنية، وأول من استخدمها هو ابن خلدون في مقدمته، ورأى بأنه يحتاجها كل ذي مهنة في مهنته.

وملكة الدفاع متوفرة سواء كان المحامي وكيلاً للمدعي أم المدعى عليه، وكيل المشتكي أم المتهم، فهو يدافع عن جانب موكله مهما كان موقعه في الدعوى.

وهكذا قدّم محاضرة قيّمة أثبت فيها ريادة المحامي في الثقافة والدور والفقه القانوني وتقويم الأحكام القضائية إلى الحد الذي أقرّ فيه بامتلاك المحامي لملكة التنظير والتفعيل، فيما لا يملك الفقيه سوى ملكة التنظير، ولا يملك القاضي سوى ملكة التفعيل، فالمحامي على حد قوله جسر بين الفقه والقضاء إذن.

بلا مبالغة كانت محاضرة مهمة وغنية بالأفكار والآراء، وتستحق أن تكون درساً ومنهاجاً للمحامي.

بل لأهميتها آثرت نقيب المحامين الزميلة أحلام اللامي حضورها بعد إكمال اجتماع مجلس النقابة مباشرة، وقدمت كتاب شكر باسم نقابة المحامين إلى السيد المحاضر، ونالت المحاضرة إعجاب المحامين الحاضرين، بل وحتى من لم يتسنَّ لهم الحضور عند مشاهدتها في مواقع التواصل الاجتماعي بعد نشرها، بحيث رغم علو مضمونها حصدت آلاف المشاهدات، وهذا نادراً ما يحصل في مواقع التواصل الاجتماعي.

نأمل مزيداً من التعاون مع السيد محمد سليمان الأحمد ومركز البحوث القانونية في كوردستان الذي يرأسه، ولدينا في اللجنة الثقافية كثير من الفعاليات المشتركة معهم في قادم الأيام.

وليد عبدالحسين : محام / الصويرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى