الأمم المتحدة تحت ضغط الأزمات

حسين قنبر
المفكر و الباحث
“الأمم المتحدة تحت ضغط الأزمات: ترمب وغزة وأوكرانيا وإيران في صدارة جدول الجمعية العامة”
س: كيف ستؤثر عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى منصة الأمم المتحدة على ديناميكيات الاجتماعات والسياسات الدولية؟
ج: من المتوقع أن تشكل عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى منصة الأمم المتحدة حدثًا سياسيًا مهمًا ينعكس مباشرة على طبيعة النقاشات داخل الجمعية العامة. فخطابه عادةً يتسم بالحدة والصراحة، وهو ما قد يعيد رسم مشهد التفاعلات بين الدول الأعضاء، حيث تميل بعض الدول إلى الاستفادة من مواقفه لدعم رؤيتها، فيما قد يدفع أخرى إلى اتخاذ مواقف مضادة. وبذلك، فإن ظهوره لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل يتجاوز ليؤثر على ديناميكيات التوافق والانقسام داخل المنظمة.
س: ما هي التحديات الرئيسية التي تواجه الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام في ظل النزاعات في غزة وأوكرانيا والتوتر مع إيران؟
ج: التحديات المطروحة هذا العام متعددة الأبعاد ومعقدة في آن واحد. فالحرب في أوكرانيا لا تزال تهدد الأمن الأوروبي والعالمي، بينما النزاع في غزة يفاقم الأزمة الإنسانية ويضع ضغوطًا هائلة على وكالات الإغاثة. أما التوتر مع إيران فيرتبط مباشرة بالاستقرار الإقليمي وبمخاطر انتشار السلاح النووي. إدارة هذه الملفات في وقت واحد يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجمعية العامة على صياغة استجابات جماعية متوازنة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والإنسانية معًا.
س: كيف يمكن أن تؤثر المواقف الأميركية السابقة من تمويل الأمم المتحدة والانسحابات من الهيئات الدولية على قدرة المنظمة على إدارة الأزمات العالمية؟
ج: لقد أثرت المواقف الأميركية السابقة، سواء بتقليص التمويل أو الانسحاب من مؤسسات دولية، بشكل مباشر على فعالية الأمم المتحدة. إذ يعتمد عمل المنظمة على الموارد المالية والسياسية للدول الكبرى، والولايات المتحدة تشكل ركيزة أساسية في هذا السياق. تقليص الدعم يضعف قدرة المنظمة على تنفيذ برامجها الإنسانية والتنموية، كما أن الانسحاب يخلق فجوات مؤسسية تقلل من التنسيق الجماعي وتضعف ثقة الدول الأعضاء في استمرارية الالتزامات الدولية.
س: إلى أي مدى ينعكس “الإفلات من العقاب” كما ذكر الأمين العام على فعالية القرارات الدولية؟
ج: الإفلات من العقاب يعد من أبرز العوامل التي تؤدي إلى إضعاف القرارات الدولية. فعندما لا تقترن القرارات بآليات تنفيذية ملزمة أو إجراءات للمساءلة، فإنها تفقد فعاليتها العملية. هذا الواقع لا يضعف فقط سلطة القانون الدولي، بل يبعث برسالة سلبية تشجع على تكرار الانتهاكات، ما يقلل من مصداقية الأمم المتحدة أمام الشعوب والدول.
س: كيف يمكن للدول الأعضاء الموازنة بين مصالحها الوطنية وضغوط التعاون الدولي في ظل بيئة مضطربة كما وصفها جوتيريش؟
ج: إن الموازنة بين المصلحة الوطنية والتعاون الدولي تتطلب إدراكًا عميقًا بأن الأمن والاستقرار لا يمكن تحقيقهما في عزلة. فالتحديات العالمية مثل الإرهاب والمناخ والأوبئة تتجاوز حدود الدول، وبالتالي فإن المصلحة الوطنية الحقيقية تتحقق عبر الانخراط في العمل الجماعي. الدول التي تنجح في إدماج أهدافها الوطنية ضمن الأطر الدولية غالبًا ما تحقق استدامة أكبر لمكاسبها على المدى الطويل.
س: ما أثر الخلافات الجيوسياسية المتصاعدة على القرارات المتعلقة بالقضايا المناخية والصحية العالمية؟
ج: هذه الخلافات تسهم في تعطيل التوافقات الضرورية لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن قضايا ذات طابع إنساني شامل. فعلى سبيل المثال، تتأخر المفاوضات المتعلقة بالتغير المناخي بسبب التجاذبات السياسية والاقتصادية، في حين أن التعاون في مجالات الصحة العامة، مثل الاستجابة للأوبئة، يتعرض للتسييس ويؤدي إلى بطء في تنفيذ المبادرات. النتيجة هي تفاقم التحديات العالمية وزيادة معاناة الفئات الأكثر ضعفًا.
س: كيف يمكن للأمم المتحدة الحفاظ على مكانتها ودورها في ظل انسحابات ورفض بعض الدول الالتزامات الدولية؟
ج: تستطيع الأمم المتحدة الحفاظ على مكانتها من خلال تعزيز دورها كمنصة شاملة للحوار والعمل الجماعي، حتى في مواجهة مواقف أحادية. كما أن تطوير أدوات جديدة أكثر مرونة، والاعتماد بشكل أكبر على الشراكات الإقليمية والدبلوماسية الوقائية، يمكن أن يعزز من فعاليتها. في الوقت ذاته، فإن تمسكها بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي يبقى ضرورة للحفاظ على مصداقيتها.
س: ما هو تأثير الاعتراف الغربي المتزايد بدولة فلسطينية على المفاوضات الإقليمية وسياق النزاع العربي-الإسرائيلي؟
ج: الاعتراف الغربي المتزايد يمثل تحولًا مهمًا في الموقف الدولي من القضية الفلسطينية، إذ يعزز من شرعية المطالب الفلسطينية ويقوي موقعها التفاوضي. هذا الاعتراف قد يفتح المجال أمام مسار دبلوماسي جديد يدفع نحو إعادة إحياء حل الدولتين، ويضع ضغوطًا إضافية على الأطراف الرافضة للحلول السياسية. وبالتالي، فهو عامل يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل مسار النزاع العربي–الإسرائيلي ضمن إطار أكثر توازنًا.
س: كيف ستتعامل الجمعية العامة مع التوتر مع إيران بسبب برنامجها النووي في سياق دبلوماسي عالمي مضطرب؟
ج: من المرجح أن تركز الجمعية العامة على دعم الحلول الدبلوماسية وتشجيع الأطراف على الالتزام بالاتفاقيات الدولية القائمة، مثل خطة العمل الشاملة المشتركة. وفي ظل الأوضاع الراهنة، فإن الهدف الأساسي سيكون منع التصعيد العسكري وضمان التوصل إلى ترتيبات تحقق التوازن بين حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وضرورة الحفاظ على الأمن الإقليمي والدولي.
س: إلى أي مدى يمكن أن تمثل هذه الدورة اختبارًا لقدرة الأمم المتحدة على الاستجابة للأزمات المعقدة والمتزامنة؟
ج: تمثل هذه الدورة اختبارًا محوريًا لمرونة الأمم المتحدة ودورها المستقبلي في النظام الدولي. فهي تواجه تحديات متزامنة تشمل نزاعات مسلحة، أزمات إنسانية، وقضايا مناخية وصحية. نجاح المنظمة في الاستجابة لهذه التحديات سيعزز من مكانتها كفاعل دولي رئيسي، بينما الفشل قد يكرس صورة العجز ويفتح المجال أمام بدائل إقليمية أو ثنائية لتجاوز دورها.



