تحليل نقدي لسياسات النظام السوري الجديد بعد سقوط الأسد
مروان فلو
مقدمة: استبداد بثوب جديد في سوريا ما بعد الأسد
شهدت سوريا تحولات جذرية بعد سقوط نظام بشار الأسد، لكنها وجدت نفسها أمام مفترق طرق بين بناء دولة ديمقراطية حقيقية أو العودة إلى أشكال جديدة من الاستبداد. تبرز زيارة أحمد الشرع (المعروف بالجولاني) إلى الولايات المتحدة كمنعطف خطير في المسار السياسي الجديد، حيث تحمل في طياتها مؤشرات على إعادة إنتاج النظام الاستبدادي بآليات وأقنعة جديدة. هذه الورقة تحلل مكونات هذا الاستبداد المعاد تصنيعه وتكشف تناقضاته العميقة.
- الشعارات الفضفاضة والواقع المفقود: فجوة الخطاب والممارسة
1.1 الخطاب الإنشائي والوعود البراقة
أطلَّ الشرع من واشنطن بعبارات مثيرة مثل “توحيد الشعب السوري” و”عودة سوريا عروس الشرق الأوسط”، داعياً إلى “خطة سليمة ووحدة صف”(٦). لكن هذه الشعارات تبقى حبراً على ورق في ظل غياب رؤية واضحة لبناء دولة شاملة تُشرك جميع المكونات في العملية السياسية.
1.2 التناقض بين الخطاب والممارسة
يكمن التناقض الأكبر في محاولة نظام يسعى لفرض رؤية دينية أحادية عبر المناهج التعليمية أن يتحدث عن الوحدة الوطنية. فبينما يُعلن عن مشاريع وحدة وطنية، تُجرى تعديلات على المناهج الدراسية تحذف رموزاً تاريخية مثل الملكة زنوبيا وتستبدل مضامين تربوية برؤية دينية محددة (٥). هذا التناقض يُظهر أن الحديث عن الوحدة لا يتعدى كونه شعارات للاستهلاك الإعلامي الخارجي والداخلي.
- المسرحية الانتخابية: ديكور ديمقراطي لاستبداد متجدد
2.1 انتخابات بلا مقومات الديمقراطية
أعلنت “اللجنة العليا للانتخابات” عن تحديد موعد الانتخابات البرلمانية في 5 أكتوبر 2025، في خطوة وصفها النقاد بأنها “مهزلة انتخابية”
تجري هذه الانتخابات في غياب أبسط مقومات العملية الديمقراطية: دستور متوافق عليه، أحزاب سياسية حقيقية، وضمانات حقيقية للمشاركة الشعبية(٦).
2.2 هندسة الانتخابات لضمان الهيمنة
وفقاً لآلية الانتخابات المعلنة، يعين الرئيس ثلث أعضاء المجلس بمرسوم، بينما يُقسّم الباقون وفق شروط وضعتها لجنة مشكوك في شرعيتها. هذه الآلية تصميم متقن لضمان هيمنة تيار الشرع وتهميش أي معارضة حقيقية، مما يجعل الصناديق مجرد ديكور يجمّل وجه الاستبداد(٦).
- السياسة الخارجية: تواطؤ دولي وتلميع صورة النظام
3.1 الانفتاح الغربي المشروط
شهدت السياسة الدولية تجاه سوريا تحولاً كبيراً، حيث وقّع الرئيس ترامب أوامر تنفيذية تاريخية لإنهاء العقوبات المفروضة على سوريا، ورفعت الخارجية الأمريكية تصنيف “هيئة تحرير الشام” من قوائم الإرهاب(٢). هذا الانفتاح الأمريكي لم يكن مجانياً، بل جاء محمّلاً بشروط تخدم المصالح الأمريكية والإقليمية، الضغط لدمج “قسد” في مؤسسات الدولة، وقطع العلاقات مع الفصائل الفلسطينية المسلحة، وتفكيك الشبكات الإيرانية(٢).
3.2 الزيارة الأمريكية والصورة المزوّرة
زيارة الشرع إلى واشنطن مثلت محاولة لإقناع المجتمع الدولي بأن هناك عملية سياسية ديمقراطية تتشكل، وإيصال صورة مزيفة عن وحدة السوريين خلف قيادته. لكن الوقائع على الأرض تكذب هذه الادعاءات، حيث تواصل الأقليات السورية معارضتها لهذه السياسات(١).
- الأقليات السورية: مخاوف مشروعة من الإقصاء والتهميش
4.1 مخاوف الأقليات على وجودها
تشعر الأقليات في سوريا بمخاوف حقيقية على مصيرها في النظام الجديد، خصوصاً بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة مار إلياس في دمشق(١). هذه الهجمات اعادت التأكيد على مخاوف الأقليات من أن تكون ضحية للصراعات المستمرة.
4.2 احتجاجات المغتربين السوريين
خرجت الجاليات السورية من الأقليات (الكُرد، الدروز، العلويون…) في كندا بمظاهرات رافضة للشرع، رافعة شعار “الجميع يتظاهرون ضد الجولاني: الأقليات السورية في خطر”. هذه الاحتجاجات تكشف زيف الادعاءات بالوحدة الوطنية وتؤكد أن الخوف من الإقصاء ما زال مسيطراً على قطاعات واسعة من الشعب(١).
- المشهد التعليمي: تغيير المناهج وتزييف الوعي
5.1 تعديلات المناهج وإعادة كتابة التاريخ
أجرت وزارة التربية والتعليم تعديلات جوهرية على المناهج الدراسية، شمل حذف جميع الإشارات والرموز المرتبطة بنظام الأسد، وخصوصاً في مواد الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا(٤). كما تم حذف مادة التربية الوطنية بشكل نهائي من المناهج الدراسية(٤).
5.2 الجدل حول التعديلات
أثارت التعديلات ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتباينت الآراء بين مؤيد ومعارض. البعض رأوا أن إجراء التعديلات ليس من اختصاص حكومة تصريف الأعمال، بينما آخرون انتقدوا حذف ما يتعلق ببطولات الجيش ضد إسرائيل وما له علاقة بـ”ظلم العثمانيين” (٥).
- التحديات الاقتصادية والاجتماعية: معاناة الشعب تتفاقم
6.1 الأوضاع المعيشية الصعبة
رغم التبدّل التاريخي بانتهاء حكم بشار الأسد، إلا أن الأوضاع المعيشية لمعظم السوريين تبقى صعبة، حيث تشكل تكاليف العام الدراسي عبئاً مالياً ثقيلاً على الأسر (٣) . يتجاوز سعر الزي المدرسي 180 ألف ليرة (الدولار يعادل 11 ألفا و500 ليرة)، وهو مبلغ كبير بالنسبة لمعظم الأسر ذات الدخل المحدود (٣).
6.2 تداعيات رفع العقوبات
رغم رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، إلا أن إعادة بناء الاقتصاد تتطلب تحقيق مستوى معقول من الاستقرار الأمني، وإعادة بناء مؤسسات الحكم، وإحداث بنية تشريعية لتنظيم أنشطة الاستثمار والتجارة والحد من الفساد (٦).
- المشهد الأمني: تهديدات متعددة واستنفار دائم
7.1 استمرار التهديد الإرهابي
تشهد سوريا استنفاراً أمنياً يمتد من دير الزور شرقاً إلى الساحل غرباً، في مؤشر على تفاقم التحديات الأمنية رغم الحملات المكثفة (٢). يُمثل تنظيم “داعش” تهديداً استراتيجياً مستمراً لاستقرار الحكومة السورية الجديدة، حيث أعلن عن مسؤوليته عن “44 هجوماً” في سوريا خلال النصف الأول من 2025، أسفرت عن “82 قتيلاً وجريحاً” (٢).
7.2 التكامل العملياتي بين الجماعات المتطرفة
تعمل “سرايا أنصار السنة” كذراع تنفيذي لـ”داعش” في الصحراء السورية والشمال الشرقي، مستفيدة من بنيته التحتية (مخابئ، شبكات اتصال) دون هيكلية قيادية رسمية (٢). وقد أعلنت “السرايا” تبنّيها لهجمات عدة كتفجير كنيسة مار إلياس وهجمات أخرى ضد الأقليات السورية (٢).
خاتمة: استبداد بوجه حديث وخيارات صعبة
الوضع في سوريا اليوم يشبه إلى حد كبير استبداداً بوجه حديث، حيث يعاد إنتاج آلات القمع والهيمنة بأشكال جديدة. النظام الجديد يستخدم خطاباً ديمقراطياً، بينما يمارس سياسات إقصائية على الأرض. التحدي الأكبر للسوريين اليوم هو كيفية تحويل الانتقال السياسي إلى فرصة حقيقية لبناء دولة ديمقراطية شامل بدلاً من الاكتفاء باستبداد جديد يحل محل الاستبداد القديم.



إرسال التعليق