الدراما العربية وتشويه التاريخ… عندما يتحول الفن إلى أداة أيديولوجية

بشار مرشد
استكمالًا لمشروع الاستشراق السلبي، تناولت جزءًا من الأعمال الدرامية العربية شخصيات تاريخية بارزة، متجاوزة حدود النقد الفني لتصبح أدوات لتشويه التاريخ. هذه الأعمال لم تقتصر على تسليط الضوء على الشخصيات، بل امتدت إلى الحقب الذهبية التي مثلت أوجًا حضاريًا وازدهارًا علميًا وفكريًا، والتي صارت اليوم رمزًا للحلم الضائع في ظل التردي الحالي.
استخدم بعض الكتاب والمؤلفين، أحيانًا بمباركة شركات الإنتاج أو بدوافع سياسية، هذه الشخصيات كأدوات فنية لنقل رسائل مشوهة عن الماضي. في هذا الإطار، تناولت الأعمال الدرامية شخصيات بارزة من عصور مختلفة مثل: معاوية، وعبد الملك، والحجاج، وهارون الرشيد، والمعتصم، وقطز، وبيبرس، مواصلة لمسار بعض المستشرقين الغربيين الذين ركزوا على تشويه التاريخ وتقليص إنجازاته. لم يكتفِ المؤلفون بعرض الواقع المعاصر المتردي، بل سعوا إلى مطاردة أحلامنا بالأمجاد الماضية والتاريخ، لتشكيل صورة مغلوطة عن الماضي أمام المشاهدين.
الوقوع في فخ الغل والحقد؛ كيف شوهت الدراما الإنجازات التاريخية:
من حسن حظنا وسوء حظ هؤلاء الكتاب، أنهم وقعوا في فخ عاطفة الغل والحقد الواضح، ما أفسد أهدافهم أمام أي متابع واعٍ ومدرك. كيف يمكن تناول شخصية بهذه الطريقة المبتذلة، مثل التصوير الساخر لهارون الرشيد أو الحجاج بن يوسف، بينما إنجازاتهما موثقة ومدوّنة: قيادة حقبة شهدت بناء المدن، وإصدار العملة، وتأليف الموسوعات والمخطوطات، والتطور العلمي، بينما يُصوَّر من كان حولهما مجرد حمقى وأغبياء؟ هذا أمر غير منطقي على الإطلاق.
إن الهدف الخفي من هذه الأعمال لا يمكن أن يكون مجرد نقد تاريخي، بل يظهر مدى الصفاقة والخسة في العداء الإيديولوجي والحقد على عصور ذهبية ناجحة. فالإنجاز لم يكن صدفة، ولا نتاج عقول فارغة كما يُصوَّر، بل نتيجة جهود وإبداع وإدارة فاعلة قادت الحضارة والازدهار في تلك الحقبة.
انتقاء الشخصيات والفترات الذهبية؛ تشويه التاريخ لخدمة الأجندات:
إن انتقاء هذه الشخصيات والعصور التي عاشوها لم يكن صدفة، بل كان اختيارًا متعمدًا لمراحل مزدهرة وشخصيات عظيمة، بهدف ضرب عمق التاريخ، وزرع الإحباط واليأس في أجيال المستقبل، وتشويه صارخ للتاريخ. هذا التناول يخدم أجندات أيديولوجية ودينية وطائفية وعرفية، ويصب في مصلحة أهداف سياسية ضعيفة. حتى اختيار الفترات التاريخية لم يكن محايدًا، بل كان جزءًا من استراتيجية لتقوية هذه الرسائل المشوهة.
في الحقيقة، لو كان الهدف مجرد نقد درامي ساخر أو هادف، لكان من الطبيعي اختيار بعض فترات الانحدار والانقسام والفشل، مثل انحدار الإمبراطورية الرومانية، وأواخر الدولة العباسية، وملوك الطوائف في الأندلس، وفترات محاكم التفتيش الأوروبية. التاريخ مليء بفترات سقوط وظلم وطغيان يمكن أن تخدم الغرض الفني، دون الحاجة لتشويه الإنجازات الحضارية الحقيقية للعصور الذهبية. كل حضارة لها فترات نهوض وفترات تهاوٍ، وسوء الاختيار يعزى إما إلى جهل أو نوايا خبيثة.
الخاتمة:
يتضح من هذا الاستعراض أن الأعمال الدرامية التي تناولت بعض الشخصيات التاريخية الكبرى لم تكن مجرد محاولات للنقد الفني أو السخرية التاريخية، بل كانت جزءًا من استراتيجية ممنهجة لتشويه التاريخ وزرع الإحباط واليأس في نفوس الأجيال القادمة. التركيز على الشخصيات الناجحة والفترات المزدهرة، مع تجاهل أو تحريف إنجازاتها، يعكس أهدافًا أيديولوجية وسياسية ضعيفة، ويكشف مدى الحقد الإيديولوجي في تقديم التاريخ بهذه الصورة.
فالعمل الدرامي الحقيقي يجب أن يكون مجردًا من الغل العاطفي، لا يُمجِّد شخصية ولا يُسيء إليها. الأمانة التاريخية تقتضي إبراز الإنجازات والإخفاقات معًا، وكل ما يختلف عن ذلك يكون هدفه الإساءة أو التلميع.
التاريخ مليء بالعبر والدروس، وفهم الإنجازات والإخفاقات معًا يتيح رؤية أكثر اتزانًا وعمقًا. الالتزام بالحقائق، والابتعاد عن المغالطات الدرامية، هو السبيل للحفاظ على التراث الحضاري، ونقل صورة حقيقية للأجيال عن الماضي، بعيدًا عن أي أجندة سياسية أو دينية أو طائفية.
في النهاية، يكمن التحدي الحقيقي في أن نقرأ التاريخ بوعي، ونميز بين الإبداع والنجاح الذي تحقق فعليًا وبين الحملات الفنية أو الأدبية التي تحاول تشويهه، لنستفيد من الماضي في فهم حاضرنا وتخطيط مستقبلنا، دون أن نقع في فخ التزييف أو الدعاية المشوهة.



