ثقافة الترند

مجدى عبد الحميد السيد
كاتب متخصص فى شئون العولمة والتكنولوجيا

يرى بعض المثقفين أن هناك مؤامرة من جهات غير معروفة تجعل العصر عصر التفاهة الثقافية وسقوط النخب الواعية ، وليس هذا فى مصر او الدول العربية وحدها بل على مستوى العالم وبصفة خاصة الدول الغربية . ولا بد أن نعترف بأنه منذ عام ١٩٩٣ وهناك تغيرات عالمية فى الثقافة جعلت الثقافات المحلية تذوب فى ثقافة كانت غربية أولا ثم تحولت الى عالمية بما يسمى ” عولمة الثقافة ” .
ومع ظهور مواقع التواصل الاجتماعى تغيرت ثقافة العالم بالفعل لتظهر ألفاظ جديدة علينا مثل كلمة ” ترند ” التى تعنى اتجاه او ميل أو مشاركة للغالبية ناحية موضوع أو موضة ، وكلمة ترند فى مواقع التواصل الاجتماعى تعنى انتشار وتفاعل مع موقف تم نشره ، وقد اعتمد مجمع اللغة العربية بالقاهرة كلمة ترند لتصير مثل كلمة أرشيف ، والترند هو ظاهرة جديدة ترتفع بموضوع أو شخص معين ليقفز على السطح لفترة ، وهى فترة قصيرة جدا قياسا بطول فترة الاستمرار لموضوع أو كاتب أو فنان معين فى عصور سابقة ، حيث يمكن أن يكون الترند لساعة واحدة أو أقل، وصاحب الترند قد يكون رجل الشارع العادى والطفل وحتى الرسوم المتحركة والكوميكس والحيوانات الأليفة بمساواة بين الاشخاص والأشياء ، وبالتال. يصبح صاحب الترند فى حالة شهرة لفترة وجيزة ثم يتركها لصاحب ترند جدبد وهكذا تدور الترندات على الكل فى صورة مواقف مختلفة “وافيهات” وفى أغانى مهرجانات وفى مسلسلات وفى مباريات وفى موضات وفى كل ما يمكن أن يقابله الانسان العادى فى حياته اليومية.
الأهم فى ثقافة الترند أنها تتم وتنتشر – وتكسب أموال ايضا- بواسطة الجمهور الحقيقى حتى لو كانت نشأتها بواسطة جهات أو شركات ، لان بعض الشركات والمواقع مثل يوتيوب وتيكتوك تعمل مكافآت لاصحاب نشر الترندات التى تستحوذ على مشاهدة عالية . وبصورة أوضح يختلف جمهور الترند الأعم غالبا عن جمهور القراء ومشاهدى الفن والرياضة لانهم جماهير خاصة ، ومن ثم فإن انتشار ثقافة الترند – ثقافة التوك توك كما يقول الاستاذ الدكتور الفيلسوف حسن حماد- يعنى سقوط النخبة الأكثر وعيا ، وبالتالى لا يجد المفكرون وكبار المثقفين من يناصرهم على مواقع التواصل الاجتماعى مما جعل الكثير منهم يصف العصر بأنه عصر التفاهة أو يأوى إلى ركن رشيد وحده ويفقده المجتمع قبل أن يفقد هو نفسه المجتمع.
وأنا شخصيا لى رأى قد يكون مفيدا -وقد لا يكون- بصفتى دارس لتطورات العولمة منذ فترة طويلة ، ويتلخص فى عدم معاداة أى تطورات تكنولوجية يهتم بها الشباب ومنها “ثقافة الترند” حتى لا نتحول الى الركن الرشيد والانغلاق ، وأيضا لكى نخرج من دوامة الترند أو على الأقل تحجيمه وفى نفس الوقت نحافظ على النخبة الواعية ، ويمكن أن يتم ذلك باتباع طريقين متوازيين :
الأول : أن ينخرط المفكرون والمتقفون فى “ثقافة الترند” لتصبح أقوالهم نفسها ترند ويشاركوا المجتمع ككل فى مشاكله الإجتماعية والثقافية والفنية والرياضية والسياسية والاقتصادية بصورة “ترند” أكثر وعيا وهذا قد يبدو صعبا على غير متقنى الوسائل التكنولوجية وعلى الموالين للسلطة ، ولكنه ممكن فى ظل عالمية وحرية مواقع التواصل الإجتماعي .
الثانى : أن يتحد المفكرون باستخدام نفس سلاح الترند وهو مواقع التواصل الاجتماعى لعمل برامج وفيديوهات بصورة مبسطة تخاطب العامة أولا بطريقة بسيطة مثلما تفعل بعض دول العالم فى فيديوهات موقع تيد TED وجوت تالنت وغيرهم من البرامج التى بدات تنتشر الآن فى معظم دول العالم والدول العربية (مسابقة أمير الشعراء و الدحيح وعلمتيوب وآراب جوت تالنت وغيرهم ) ، حيث يتدخل المفكرون فى الاعداد والمراجعة والتقييم لبرامج تهم العامة ثم شيئا فشيئا تقل ثقافة الترند ليحدث توازن فى الأدب والفن والفكر والسياسة وحتى الرياضة. مع ملاحظة الا تدخل تلك البرامج فى غياهب السياسة وموالاة الحكومة حتى لا تتحول الى برامج توك شو يتم توجيهها حسب توجهات الشركات والجهات الراعية والسيادية وتفقد عموميتها.
نحن أمام عصر جديد يشبه رياح عاتية فى بحر متلاطم الأمواج فإما أن نحسن التوجية وإما نترك الشباب يواجهون مصيرهم مع تلك الرياح والأمواج.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك