معركة الجرف الخالدة 23-29 سبتمبر 1955…

وصف رائع لمعركة الجرف، أقوى و أطول و أشرس معركة إبان الثورة، والتي دامت حوالي اسبوع من 23 الى 29 سبتمبر 1955.
دعونا نعيش مع هذا الوصف ايامها الثلاث الأولى
————————— —————————
بعد ثلاثة ايام و اربعة ليالي وبمعدل واحد مقابل 100 انتزع مقاتلونا النصر في الجرف…
23 سبتمبر 1955:
كان وقت الفجر، وكان قد وضع حارس على قمة من قمم وادي هلال (منطقة النمامشة) في المكان المعروف بالجرف وهو وهد ضيق ومنحدر هاو؛ مرصع بالمغارات، وأعلن حارسنا حالة الطوارئ، لقد بدأت اكبر معركة في حربنا الاستقلالية.
لقد كان عددنا 160 وطني محاطين بخمسة عشر الف مرتزق استعماري قدموا من الجزائر و تونس و مراكش، والطائرات تحوم فوق رؤوسهم.
وفي هدوء تام اخذ كل منا احتياطاته القتالية وعلى نغمة النشيد الوطني بدأها شاب تارقي واتبعه الجميع، نظمت المقاومة؛ اسقطنا طائرة والتهمتها النيران وتوزعنا على المغارات قرب نقاط المياه، وكانت الحرارة مضنية وفجأة، وعلى ناحيتي الوادي هاجمنا العدو بقوة وفتحنا عليه نارا قاتلة ومتواصلة، وفر العدو وراء ستار من الدخان ولم يظهر الا قليلا خلال اليوم؛ استأنف القتال مساء تحت ضوء القمر، وتكاثرت قنابل مدافع المورتي وطلقات الرشاشات المتواترة وانفجارات القنابل المدوية و الصواريخ المضيئة -لقد كان منظرا جهنميا لم يتوقف الا مع غياب القمر- .
24 سبتمبر:
طلع النهار على دوي الدبابات القاتل الذي لايمكنك سماع غيره، وأمام عجزها استنجدت قوات العدو بالمصفحات التي بدأت تتقدم نحونا من ناحيتي الوادي و قممه وفتحت علينا نارها عن كثب.
فعل رماتنا المهرة العجب، ولقي ثلاثة قادة مصفحات حتفهم الواحد تلو الآخر برصاصات في جباههم، وواصلت الطائرات طريقها الجهنمي وهي تسبح من حين لآخر، كأنها رزم من زفير نار رشاشاتنا.
اعطبت رشاشاتنا ثلاث طائرات وابعدتها عن ميدان القتال، وهكذا تواصل القتال النهار كله ليستمر جزءا من الليل، وعلى الرغم من الجوع الذي يمزق احشائنا وقلة النوم، فقد كنا اكثر وفاءا لمراكزنا ومستعدين للرد السريع من اول وهلة، وارتفعت اصوات الاغاني والضحك والمزاح والمعنويات دائما جيدة.
25 سبتمبر:
أشرقت الشمس وكان مطلعه ان النصر يحالف فريقنا، واغراء صفوف العدو بالفرار.
نحن مستعدون دائما للهجوم، وامام مقاومتنا البطولية قرر الاستعماريون الوصول الى النهاية فاستنجدوا بالمدفعية يساعدها السلاح الجوي و المدرعات ومدافع المورتي والسلاح الآلي، بكلمة واحدة لقد استعملوا كل شيئ للحصول على النصر، ولكن بدون جدوى.
تحت نيران القذائف والرشاشات وقنابل الطائراات والرصاص والقنابل اليدوية، كان دفاعنا دائما اشد ثباتا، وجاشت الحرب تحت سماء مشتعلة، وتعانق الوطنييون في حرارة خانقة واجسادهم تنهمر عرقا ونضراتهم مضظربة، وحلوقهم جافة، وشفاههم يابسة، وهم صامدون دائمامحاطين من كل مكان، لكن الشعور الوطني العميق يبعث فيهم الحياة، وفضل مقاتلونا الموت في الكفاح والقتال على الضياع مدفونين في المغارات، وهم متأثرين بالجوع والعطش، يتجهزون لكسر الدائرة التي تخنقهم وكان الهجوم مع بداية الليل، وكانت قوة نشطة تحيينا وملأت قلوبنا، وكانت صدمة لا تقهر، الحربة على ( استون ) البندقية وسكين القطع مستل باليد، …
و بدأ القتال..
جنود الاستعمار يسقطون الواحد تلو الاخر، واخرون يفرون، وفريق يتضرع ويناشد العفو، وتناثرت الاشلاء واختلطت رائحة الدم الكريهة بالغبار وصعدت الى المناخر، واتبع مقاتلونا فِرقهم ودمروا فرق العدو في تقدمهم وهم محافظون دائما على برودة اعصابهم واتزانهم، واستولوا على مئات الاسلحة والذخيرة وقذائف المورتي والرشاشات وسلاح البازوكا.
وصار النصر بين ايدينا، وصرنا احرارا وانكسرت الدائرة، اسفر اليوم الجديد عن رؤية قيامية، فالجثث متناثرة في كل مكان على وجه الارض، جثث جنود الاستعمار مختلطة مع جثث البغال، ومدافع الدبابات المتلفة والموجهة نحو السماء، وقتل 400 جندي في صفوف العدو الاستعماري، وكثير من الجرحى والاسرى، وللاسف استشهد 15 من صفوفنا واعتبر 10 مفقودين..

المقاتل

المصدر: كتاب مصطفى بن بولعيد والثورة الجزائرية، نقلا عن العدد الثاني من نشرية ” الوطني ” الصادرة في نوفمبر 1955 عن المنطقة الاولى اوراس النمامشة

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك