هل تتجه تركيا و اسرائيل نحو مواجهة في سوريا

قرار انقرة بوقف المبادلات التجارية والاقتصادية مع تل ابيب، واغلاق الاجواء امام الطيران الاسرائيلي، لا يعد اجراء بروتوكوليا عابرا ولا خطوة رمزية مؤقتة، بل يعكس وصول تضارب المصالح بين الطرفين الى مستوى متقدم. هذا التطور يثير تساؤلات حول خطورته، وظروفه الراهنة، وامكانية ان تتراجع تركيا لاحقا كما حدث في تجارب سابقة.
تركيا باتت مقتنعة بان المشروع التوسعي الاسرائيلي خرج من خانة التصورات النظرية والتسريبات الاعلامية والتحليلات الاكاديمية، ليدخل طور التنفيذ العملي. فالاخبار الجارية في فلسطين وسوريا، والتهديدات الموجهة للبنان، كلها مؤشرات على مسار اكثر خطورة.
انقرة بين الحسابات الاقتصادية والامن القومي
الموقف التركي يقوم على محاولة وقف تمدد هذا المشروع قبل ان يمس مصالحها الحيوية. وهو ما يفرض الانتقال من مرحلة “الحسابات الاقتصادية الباردة” والشراكات الثنائية، الى مرحلة ادراك ان الخطر الاسرائيلي اصبح تهديدا مباشرا للامن القومي التركي. وقد عبرت انقرة عن ذلك بوضوح خلال العدوان الاسرائيلي الاميركي على ايران في حزيران الماضي.
اسرائيل في الرؤية الاستراتيجية التركية
في العقل الاستراتيجي لانقرة، كقوة اقليمية وعضو في حلف شمال الاطلسي ووريثة ارث امبراطوري قديم، كانت اسرائيل تعامل باعتبارها طرفا ضروريا في معادلة التوازن الاقليمي. غير ان التطورات الاخيرة جعلت منها خطرا متصاعدا على مجمل الاقليم، وقوة تسعى لاعادة رسم الحدود. القرار التركي الاخير لم يأت الا بعد تقييم امني سياسي شامل ركز على سوريا تحديدا، وخطورة المسارات المحتملة على وحدة الاراضي التركية، خاصة مع الهشاشة الداخلية المرتبطة بالعوامل القومية والطائفية. وهذا التقدير يذهب الى ان استمرار العلاقات التقليدية بينما ترسم خرائط جديدة لسوريا يعني عمليا توفير غطاء ضمني لمشروع تقسيم قد يمتد الى الشمال التركي نفسه.
المشهد السوري كعقدة اساسية
لم تعد الازمة السورية مجرد نزاع داخلي رغم استمرار الانقسام وعدم الاستقرار السياسي. فاسرائيل، بعد تطورات الاشهر الاخيرة، تسعى الى انشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح جنوب البلاد، وتقدم نفسها كحامية للاقليات، مع محاولات التمدد باتجاه العاصمة. هدف تل ابيب واضح: توسيع نطاق الاحتلال وخلق كيان موال في الجنوب السوري، مستغلة الصدامات الاخيرة في السويداء. هذه الخطوة لا تهدد دمشق فحسب، بل تضغط ايضا على انقرة التي تجد نفسها امام تمدد اسرائيلي مباشر على حساب نفوذها.
ابعاد التوسع الاسرائيلي بالنسبة لتركيا
ترى انقرة ان الخطر يتجاوز مسألة وحدة سوريا الى محاولة تطويقها اقليميا. فمن الجنوب السوري حتى العراق يرسم طوق امني عسكري تتحكم فيه اسرائيل بصورة غير مباشرة، وهو ما يعيد تركيا الى وضع “الدولة المحاصرة” بدلا من كونها قوة محورية. هذا السيناريو يفتح الباب امام انشاء اقاليم تتمتع بحكم ذاتي موسع او شبه مستقل، وهو ما يعد تهديدا وجوديا بالنسبة لتركيا.
الكيانات المحتملة وخطر العدوى الداخلية
الاحتمال الابرز ان تنشأ كيانات مستقبلية مدعومة من الخارج: كيان قومي كردي في الشرق، وكيان طائفي علوي في الغرب. هذا التطور يشكل تهديدا مباشرا لتركيا، لان جذور هذين المكونين تمتد داخل اراضيها عبر الكرد الاتراك والعلويين الاتراك. اي ان الخطر لا يقف عند حدودها، بل يتسرب الى عمقها الاجتماعي والسياسي.
الموقف الاميركي وتبرير اسرائيل
رغم ان واشنطن لم تعلن تبني مشاريع تمس مصالح تركيا بشكل مباشر، الا انها لم تخف تبريراتها للتحركات الاسرائيلية. السفير الاميركي في انقرة، ومبعوث ترامب الى سوريا ولبنان، توم براك، لخص الموقف بعبارة مثيرة: “اسرائيل ستذهب حيث تريد، وتفعل ما تشاء لضمان امنها. حدود سايكس بيكو لم تعد ذات معنى.” هذه الجملة لم تكتف باعطاء شرعية مطلقة لحرية الحركة الاسرائيلية، بل الغت عمليا منطق الحدود الذي حكم المنطقة طوال قرن كامل.
نهاية المظلة الاميركية التقليدية
بهذا التصريح، تحولت واشنطن من قوة تدير النظام الدولي الى قوة تعلن انتهاء قواعد اللعبة. اي ان دول المنطقة –حلفاء وخصوما– باتت مكشوفة امام تفوق اسرائيلي غير مقيد. الاخطر ان براك اقر بان الولايات المتحدة لم تعد ضامنا للامن الجماعي، وان على كل دولة حماية نفسها منفردة. هذه العبارة انهت عمليا مرحلة “المظلة الاميركية” التي سادت منذ الحرب العالمية الثانية، وفتحت الباب امام فراغ تملؤه اسرائيل بقوة سلاحها، مع دعم اميركي عند الحاجة، كما حدث في الهجوم على ايران.
سوريا بين التفاوض والامر الواقع
رغم تعبير براك عن ثقته بالرئيس السوري احمد الشرع ومفاوضات بلاده مع اسرائيل، الا ان ذلك لم يترجم الى اي التزام بانسحاب او حتى هدنة. عمليا، تستمر اسرائيل بفرض وقائع ميدانية غير قابلة للتراجع، تقود نحو التقسيم. فما يثبت بالامر الواقع اليوم ، يترسخ غدا في النصوص القانونية
المؤشرات الراهنة ترجح تقسيم سوريا الى اربعة كيانات: كيان درزي جنوبي برعاية اسرائيلية، منطقة مركزية بيد دمشق، منطقة كردية في الشرق، ومنطقة علوية في الشمال الغربي. وهذا الاحتمال يصيب تركيا مباشرة في صميم امنها القومي.
حسابات انقرة: بين الردع والمشاركة
خطوة قطع العلاقات تهدف بالاساس الى رفع مستوى الرفض لاي تقسيم يهدد سوريا، ومنع ولادة كيانات على حدودها. لكن في الوقت نفسه، تظهر بعض المؤشرات ان تركيا لم تنفذ قرارها بشكل كامل، وتحتفظ بهوامش للحركة. واذا عجزت عن منع التقسيم، فربما تلجأ الى السيطرة المباشرة على شريط يمتد من حلب حتى الساحل، لتامين حصتها من الخريطة الجديدة، بدلا من الخروج منها خالية الوفاض.
الدور الاميركي الجديد واسرائيل كمحور
الولايات المتحدة تخلت عن موقع “الوسيط”، واصبحت لاعبا مباشرا يتيح لاسرائيل التوسع بلا قيود. لم تعد واشنطن ضامنة لوحدة اراضي حلفائها، بل باتت تنظر لاسرائيل كالمحور المركزي في هندسة المنطقة. هذا التحول يعيد انتاج مشروع “الشرق الاوسط الجديد” بعد ان تعطل سابقا.
تصريحات السيناتور ليندسي غراهام خلال زيارته للبنان جاءت كدليل اضافي، اذ اعلن ان بلاده مستعدة للقتال دفاعا عن لبنان من اجل الحفاظ على تنوعه الطائفي، ملوحا في الوقت نفسه بسحب سلاح حزب الله بالقوة العسكرية. وهي مقاربة تحمل طابعا تفجيريا اكثر مما تحمل طابعا حمائيا.
لبنان ضمن المعادلة
الخطاب الاميركي الاسرائيلي تجاه لبنان يندرج في سياق اوسع لاعادة رسم الخريطة الديموغرافية والسياسية في المنطقة. الاخطر ان النقاش اللبناني الداخلي يبدو هشا ومشوشا امام خطورة اللحظة، ما يفتح المجال لخيارات كارثية قد تسوق على انها “فرص”.
لكن التجربة اثبتت ان اي مشروع اسرائيلي لا يعني استقرارا او ازدهارا، بل يرسخ منطق القوة والقتل والتفكيك.
السيناريوهات المقبلة
1- توسع إسرائيلي برعاية أميركية في جنوب سوريا وربما جنوب لبنان، مع احتمال تفكيك سوريا.
2- تصعيد تركي اقتصادي–أمني قد يتطور إلى مواجهة غير مباشرة مع إسرائيل، وربما يرتبط بالصراع الإسرائيلي–الأميركي مع إيران.
3- فراغ استراتيجي تملؤه إسرائيل بينما تتراجع واشنطن عن دورها التقليدي كضامن.
1- رغم حدّة خطابها، لا تزال تركيا تمسك بأوراقها جزئيا، والدليل أن الموانئ وخطوط الأنابيب التركية ما تزال تمر عبرها شحنات النفط الأذربيجاني إلى إسرائيل.
2- حركة الملاحة تظهر استمرار وصول سفن تركية إلى ميناء حيفا، وهو ما يعكس براغماتية أنقرة في التعامل مع الأزمة.
3- تركيا ستسعى لعرقلة التوسع الإسرائيلي في سوريا من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكنها في حال تحقّق سيناريو التقسيم، ستتدخل لحجز موقعها على الخريطة الجديدة حفاظا على امنها القومي وفقط، وهو ما يعكس حجم البراغماتية وابقاء غزة مجرد قضية تتطلب تعاطف اخلاقي انساني لا غير لن يجر تركيا للمواجهة مع اسرائيل مهما حدث في غزة.



