النفوذ الرقمي: إعادة تشكيل خرائط القوة في القرن الحادي والعشرين
د حمدي سيد محمد محمود
يُشكّل النفوذ الرقمي عاملاً متحوِّلاً في بنية النظام الدولي بحيث يعيد كتابة قواعد السلطة والدورانِ الجيوسياسي بطرقٍ لا تقلّ أهميةً عن التحوّلات التي أحدثتها الثورات الصناعية السابقة، لكن مع فارقٍ جوهري: السرعة والتداخل بين المجالين المدني والعسكري، والقدرة على تحويل الأصول الرقمية إلى أدوات نفوذ لحظية وطويلة الأجل على حد سواء. فحضور البيانات، شبكات الاتصالات، منصات الحوسبة السحابية، ومنصات الذكاء الاصطناعي في قلب العمليات الاقتصادية والعسكرية جعل من التفوق الرقمي مقياساً جديداً للقوة؛ هذا التفوق لم يعد قابلاً للقياس التقليدي بعدد حاملات الطائرات أو المنظومات الصاروخية، بل بعمقِ القدرات الصناعية الرقمية، بتمكّن الأنظمة من إدارة وحماية البيانات الحساسة، وبالقدرة على الحفاظ على استمرارية سلاسل القيمة التكنولوجية في وجه الصدمات. وفي هذا السياق، تمثّلت إحدى نتائج التحوّل الرقمي في خلق «مراكز قوة» تقنية ذات قدرة على التأثير عبر تضخيم المزايا الاقتصادية وتأمين نفوذ سياسي — فالدول أو الكيانات التي تسيطر على حلقات حاسمة في سلاسل أشباه الموصلات أو على منصات بياناتية واسعة تملك أدوات ضغط اقتصادية وسياسية تستطيع عبرها إعادة تشكيل خيارات الآخرين على المستويين التجاري والاستراتيجي.
أن هذا التداخل بين الاقتصاد والتقنية يولّد ديناميكية جديدة: فالاعتماد غير المتناظر على موارد رقمية أو منصاتٍ مركزية يتحوّل إلى قابلية استغلال جيوستراتيجي، بينما لا يملك كثير من أطر الحوكمة الدولية الحالية الآليات الكافية لردع أو تنظيم مثل هذه الممارسات بصورة عادلة وفعّالة، ما يترك فجوات تُستغل لممارسة ضغوطٍ تقنيةٍ بلا حربٍ مفتوحة ولكن بآثارٍ مدمِّرة على التنمية والاستقرار.
على المستوى البنيوي، يدفع النفوذ الرقمي النظام الدولي نحو أشكال جديدة من الانقسام والاصطفاف الذي يتجاوز الانقسامات الإيديولوجية التقليدية، إذ يتبلور أمامنا ما يمكن تسميتهُ «جمْعٌ رقمي» لتكتلاتٍ اقتصادية وتقنية تُبنى حول معايير مشتركة لمواردٍ رقمية وممارسات أمنية ومنصاتٍ تقنية. هذه التكتلات تُعيد توزيع فوائد العولمة: فحين تقتصر الابتكارات والأسواق عالية الربحية على حلقات جغرافية أو تنظيمية ضيقة، تتقلّص الفرص أمام الدول النامية وتزداد الضغوط على حكوماتها للانخراط في تسوياتٍ تقلّل من سيادتها الرقمية لقاء الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق. كما أنّ تحوّل قطاعاتٍ واسعة إلى «بنًى خدمية رقمية» (من التمويل إلى الصحة والتعليم)، يزيد من حساسية الدول تجاه أي تعطُّل رقمي أو قيود على الوصول إلى منصّات حاسوبية أساسية، وهذا بدوره يُحوّل الأمن الرقمي إلى عنصر أصيل من عناصر الأمن القومي. وإذا كانت تقارير التنمية والتجارة تشير إلى إمكانات هائلة للنموّ الرقمي في بلدان الجنوب، فإنها تُحذِّر أيضاً من أن غياب سياساتٍ صناعية وحماية بيانات بحزم وأطر تمويلية للتطوير قد يجعل من هذه الإمكانات محرِّكاً للاعتماد بدلاً من التنمية الذاتية، ما يكرّس شكلاً جديداً من عدم المساواة الدولية.
سياسياً واستراتيجياً، يحمل المستقبل احتمالاتٍ متعدِّدة لكنّها تلتقي في نقطةٍ أساسية: لو استمر التركيز العالمي على مزايا رقمية مركَّزة دون تأسيس آليات دولية فعّالة للحكم ومشروعات بناء قدرة عالمية شاملة، فسيصبح النظام الدولي أقل تكاملاً وأكثر عرضةً للانقضاض على استقرار التعاون الدولي. من جهةٍ، ثمة سيناريو يُمكّن التعاون متعدد الأطراف (حيث تُطوَّر معايير مشتركة لحماية البيانات، تُنشأ صناديق لدعم قدرات الدول النامية في البنية التحتية الرقمية، وتُقرَّ قواعد للحدّ من استخدام قيود التصدير كأداة حصار تقني) مما قد يخفف من حدة التنافس ويسمح بتوزيع منصف للفوائد؛ ومن جهةٍ أخرى، ثمة سيناريو تكسر فيه التكتلات الرقمية حواجز السوق العالمي إلى «جزر تقنية»، فيتزايد التنافس على موارد نادرة، وتنتشر أدوات الحصار التقني والعقوبات الرقمية، وتصبح السياسات الوطنية أكثر توجّهاً نحو الاكتفاء الذاتي وتقليص العبور التجاري للتقنية، وهو ما يؤدي إلى كسادٍ استثماري وتباطؤ ابتكاري عالمي.
إنّ اختيار المسار الممكن يعتمد بدرجةٍ حاسمة على السياسات: قدرة الدول الكبرى على قبول قواعد مشتركة تُقيّد بعض تصرفاتها الاستراتيجية، وإرادة المجتمع الدولي لبناء بنى تمويلية ومعرفية تساعد الدول الأقل قدرة على تطوير أنظمةٍ ذاتية الاستدامة، فضلاً عن تطوير إطار أخلاقي وقانوني دولي يُقَيِّم استخدام النفوذ الرقمي بحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية. وفي أحسن الأحوال، سيسعى النظام الدولي من الآن فصاعداً إلى موازنة بين التنافس والتعاون عبر خلق مساحات تُدار فيها الموارد الرقمية كمنفعة عامة مشتركة، وإلا فسيواجه العالم ما يشبه إعادة رسم خرائط النفوذ (أكثر تفككاً وأقل قدرةً على التبادل البنّاء)، وهو مآل قد يضعف قدرة البشرية على مواجهة التحديات العابرة للحدود مثل الأوبئة والمناخ والأمن السيبراني.



إرسال التعليق