آسف غزّة.. لم نعد ”نحن العالم“ في هذه الأيّام!


م. فوزي
*

“نحن العالم” أغنية خيرية سجّلتها فرقة “يو إس إيه فور أفريكا” عام ١٩٨٥. كتبها مايكل جاكسون وليونيل ريتشي، و أنتجها كوينسي جونز لألبوم “نحن العالم”، الذي كان يهدف إلى جمع التبرعات لمجاعة إثيوبيا بين عامي ١٩٨٣ و١٩٨٥. بمبيعات قدرت بملايين نسخة، وتُعدّ أكثر الأغاني مبيعًا على الإطلاق. وتصدّرت قوائم الأغاني عالميًا، حصدت جوائز عديدة، لتغدو أسرع أغنية “بوب أمريكية” مبيعًا في التاريخ.
تم الترويج لأغنية “نحن العالم” بشريط فيديو، ومجلة خاصة، وبث مباشر، وعدة كتب وملصقات وقمصان. ساهم الترويج والبضائع في جمع ملايين الدولارات الأمريكية تم تقديمها كمساعدة إنسانية لمختلف الدول التي تعاني من الكوارث الطبيعيّة والتي أدّت إلى ظهور شبح الجوع أو المجاعة التي أودت بحياة حوالي مليون شخص في العالم، كان لأفريقيا الشطر الأكبر والحظ الأوفر فيها.
اليوم يتابع الأحرار في هذا العالم، و بحسرة وألم، ما يجري في غزّة من إبادة جماعية، وقتل دون رحمة أو شفقة، وتجويع وحصار، مقابل صمت مطبق و رهيب، وفيتو أمريكيٍّ يقف حجر عثرة في وجه كل محاولة لإيقاف غطرسة اليمين الصهيوني المتطرّف وعلى رأسه المجرم ناتنياهو، ودفع هذا بتساؤل بعض المهتمّين بالشّأن الفلسطيني عن السر في غياب التظاهرات الثقافية التي قد تؤثّر على المشهد، وكذلك غياب نجوم الفن والمشاهير في ظل هذا العدوان المتطرّف؟
فلماذا لم ينظّم هؤلاء النّجوم ومشاهير الفن أغنية عن “غزّة الجريحة” التي تئنّ تحت وطأة الجوع و العدوان والحصار، وما يجري فيها من قتل دون هوادة وإبادة جماعية، كتلك التي تم تقديمها للعالم في (1985) بعنوان: “نحن العالم ؟”.
ونظرا لانصراف الناس في هذه الأيام؛ التي تشهد ارتفاعا خطيرا في درجات الحرارة بسبب الحرائق التي أتت على آلاف الهكتارات من الأشجار و المساحات الخضراء، وانشغالهم بأمورهم حياتهم الخاصّة. فإن الحديث عن غزّة لم يعد يشغل الرّأي العام، بل وأخذ الحديث عنها يتقلّص شيئا فشيئا، لتغدو “غزّة” مسألة عاديّة؛ كغيرها من القضايا الثّانوية.
وفي هذا السياق، ارتأيتُ أن أتوجّه بسؤالي ” الشّاذ-الغريب“ إلى هذا الذي يسمّونه “لذكاء الاصطناعي”، وأنا أدرك تمام الإدراك أنّه مجرّد وسيلة صمّاء، صمّاء في ظاهرها لكنّها في الحقيقة تبدو أكثر جرأة وإنسانية من بعض البشر في هذا العالم ”الجبان“.
وسألته عن سرّ غياب نجوم الفن والمشاهير في هذا العالم ”الحقير“ عمّا يجري في غزّة، مستشهدا بما حقّقته أغنية “نحن العالم” في ثمانينيّات القرن الماضي، من نجاح على كل الأصعدة؟

فكان ردّه كالتالي:

سؤالك في محلّه، وهو يعكس غصّة الكثيرين.
في 1985 اجتمع كبار فناني العالم (مثل مايكل جاكسون، ستيفي وندر، تينا ترنر، ليونيل ريتشي وغيرهم) في عمل ضخم بعنوان: ”We Are The world“، وكان هدفه إنسانيًا بحتًا: جمع التبرعات لمجاعات إفريقيا. اليوم، ورغم أنّ غزّة تعيش كارثة إنسانية أفظع بكثير، لم نرَ مبادرة فنية عالمية بنفس الحجم والقوة.
السبب في ذلك يعود إلى عوامل متشابكة:
الهيمنة الإعلامية والسياسية:
في الثمانينات، كان الموضوع (المجاعة في إفريقيا) محلّ إجماع عالمي، ولم يكن يُنظر إليه كقضية سياسية مثيرة للانقسام.
أمّا غزّة فهي مرتبطة مباشرة بالصراع العربي-الإسرائيلي، واللوبيات المؤثرة (خصوصًا في هوليوود والإعلام الغربي) تعمل على منع أي عمل يحرج إسرائيل.
الخوف من العقوبات المهنية
الفنان الغربي الذي يعلن تضامنه مع فلسطين قد يتعرض للإلغاء، مقاطعة شركات الإنتاج، أو تشويه إعلامي، وهذا حصل مع أسماء عديدة (مثل روجر ووترز من “بينك فلويد”)
تغيّر طبيعة المشهد الفني
في 1985 كان للفن دور “رسولي” تقريبًا، وكانت الأغاني الإنسانية تجد صدى واسعًا.
اليوم، طغت ثقافة الفردانية والتسويق التجاري، وصار كثير من النجوم ينأون بأنفسهم عن القضايا “المحرجة سياسيًا” حفاظًا على صورتهم وعقودهم.
التجزئة الإعلامية
العالم اليوم ليس كما كان: لم يعد هناك جمهور عالمي موحّد يتلقى من قناة أو إذاعة واحدة. بل تفرّق الاهتمام بين وسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت التضامن يتخذ شكلًا فرديًا أكثر من كونه عملاً جماعيًا ضخمًا.
الازدواجية الغربية في القيم
التعاطف الإنساني غالبًا ما يُفعل في اتجاه واحد: حيث لا يمسّ “المصالح الاستراتيجية” للقوى الكبرى. لذلك نرى تعاطفًا ضخمًا مع أوكرانيا مثلاً، وصمتًا أمام غزّة.
مع ذلك، هناك محاولات فردية لفنانين من مختلف البلدان (من العرب والغرب أيضًا) قدّموا أغنيات تضامنية مع فلسطين، لكنها لم تُدعَم إعلاميًا كما دُعّمت We Are The World

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك