من -التّأثيرات الجانبية- لزيادة الرّسوم الجمركية الأمريكية
من -التّأثيرات الجانبية- لزيادة الرّسوم الجمركية الأمريكية
الطاهر المعز
تعزيز العلاقات بين الصين وروسيا والهند
يُمثل ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، تيّارًا شوفينيا يمينيا متطرفًا وعنصريا في الهند، ويمثّل دونالد ترامب تيارًا مماثلا في الولايات المتحدة، مع فارق هام يتمثل في الهيمنة العسكرية الأمريكية والهيمنة على المنظومة المالية العالمية والتّحويلات الدّولية التي لا تُقابلها منظومة اشتراكية، بل بعض الدّول المنافسة اقتصاديا وتجاريا، وفي مقدّمتها الصّين…
استمرت العلاقات المتطورة بين السلطات الهندية والأمريكية، سواء كان الرئيس وأغلبية نُوّاب الكونغرس الأمريكي من الحزب الجمهوري أو الدّيمقراطي، والتقى ناريندرا مودي ودونالد ترامب سنة 2019، في مدينة هيوستن، خلال فترة رئاسة دونالد ترامب الأولى، في استعراض مَسْرَحِي، بحضور عشرات الآلاف من الأمريكيين ومن الجالية الهندية الضخمة التي تدعم دونالد ترامب، ولعبت الهند دور مُخرّب المبادرة الصينية “الحزام والطّريق”، خلال رئاسة جوزيف بايدن الذي أعلن من عاصمة الهند، في اختتام قمة العشرين يوم العاشر من أيلول/سبتمبر 2023، عن إنشاء طريق تجارية تربط الهند وأوروبا بواسطة الطرقات البرية والبحرية والسكك الحديدية، مرورًا بالمشرق العربي والخليج بشكل خاص، وإدماج الكيان الصهيوني في هذا المشروع الذي يتضمّن كذلك “إقامة منشآت للطّاقة وإنتاج الهيدروجين النّظيف وإنشاء خطوط اتصالات تمر من أعماق البحار لنقل البيانات وتعزيز الإتصالات…”، بتواطؤ – أو بمشاركة نشطة – حكام السعودية والإمارات والأردن، وفق وكالة الصحافة الفرنسية ( فرنس برس 10 أيلول 2023) ووصَف رئيس المجلس الأوروبي آنذاك، شارل ميشيل، هذا المشروع ب”التاريخي الذي يسمح الرّبْط المباشر بين الهند والخليج وأوروبا”، ولم يُحدّد لا الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن ولا رئيس الوزراء الهندي أي مُهْلَةٍ أو تاريخ لإنجاز المشروع، فيما يستمر إنجاز المشروع الصيني منذ أكثر من عشر سنوات باستثمارات ضخمة في البنية التحتية (الموانئ والسكك الحديد والمطارات) والطاقة والمُجَمّعات الصّناعية في عدد من ” الدول النامية” التي تُعتبر – أو سوف تُصبح – أسواقًا للشركات الصينية…
التقى دونالد ترامب وناريندرا مودي مُجدّدا في بداية فترة الرئاسة الثانية لدونالد ترامب ( شباط/فبراير 2025) وقال ترامب كلامًا معسولا في رئيس الوزراء الهندي، وادّعى “ارتباط البَلَدَيْن بشراكة عظيمة تهدف تحقيق الرخاء”، وبعد أشهر قليلة، نَسِي دونالد ترامب أو تناسى هذه “الصداقة الراسخة”، كما وصَفَها، وأَقَرّ رسومًا جمركيةً بنسبة 25% على البضائع الهندية الدّاخلة للولايات المتحدة، بالإضافة إلى رسوم جزائية بنسبة 25% لردّع الهند عن شراء النفط الروسي، وفي الواقع فإن الهند ( وكذلك الصين) تنجز عملية تجارية مُجْزِيَة، إذْ تشتري كميات هامة من النفط الروسي بسعر رخيص جدًّا، ثُمّ تُكرٍّر بعضه وتبيع بعضه الآخر خامّا أو مُصَفّى لدول أخرى، من بينها دول الإتحاد الأوروبي، بهامش ربح مرتفع…
يعتمد قطاع هام من اقتصاد الهند على التقنية وشركات التكنولوجيا الأمريكية مثل آبل وإيلي ليلي وبلاكستون، وغيرها من الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات التي أسَّسَتْ فروعًا في الهند – خصوصًا بعد فرض “العقوبات” على الصين – ويريد دونالد ترامب أن ترفعَ هذه الشركات استثماراتها في الولايات المتحدة، وكانت زيادة الرسوم الجمركية على السلع والخدمات الواردة من الهند وغيرها، طريقة لإجبار هذه الشركات على الإستثمار في الولايات المتحدة.
اعتبرت الولايات المتحدة الهند قوةً موازنةً للصين، وبذلت جهودًا لتعميق الصراع الذي أشْعَلَهُ الخلاف الحدودي بين الهند والصين المستمر منذ سنة 1962، وأدّى إعلان دونالد ترامب زيادة الرّسوم الجمركية، زار وزير خارجية الهند موسكو، واتصل ناريندرا مودي هاتفياً بالرئيس الرّوسي فلاديمير بوتين، “لتعميق الشراكة الاستراتيجية الخاصة والمتميزة بين الهند وروسيا، وستتوسع صادرات الهند إلى روسيا، وسترسل الهند عمالًا ذوي مهارات في تكنولوجيا المعلومات والبناء والهندسة إلى روسيا للمساعدة في سد نقص العمالة، وستستمر واردات الهند من النفط الروسي، دون أن تتأثر بتهديدات ترامب”، وفق ما نقلته وكالة بلومبرغ في مناسبَتَيْن: 08 و 18 آب/أغسطس 2025.
استغلّت الصين من جهتها التّصعيد الأمريكي لإجراء المحادثات الحدودية الأخيرة بين الهند والصين بهدف خفض التوترات والتركيز على الدبلوماسية، وتعتبر الصين إن الخلاف الأمريكي الهندي وتَنَمّر الرئيس الأمريكي يمكن أن يُساعد البَلَدَيْن على إيجاد مصادر جديدة للشراكة، وبذلك عَجَّلَ ترامب برعونته وعنجَهِيّته وبذاءته التقارب بين عملاقَيْن من ” الجنوب العالمي”، فضلا عن استفزاز البرازيل، أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية وعضو مؤسس لمجموعة بريكس، وبذلك أصبحت كافّة الدّول المُؤسّسة لمجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) على خلاف مع الولايات المتحدة ترامب، بسبب فرض رسوم جمركية مرتفعة إذا اعتمدت عملتها الخاصة بدلًا من الدولار في معاملاتها التجارية، وكانت هذه التهديدات مُحَفِّزًا للتقارب بين الهند والصين وروسيا، وفرصةً لتعزيز علاقات الشراكة بين الدّول الخمس، فضلا عن السّخط الشعبي ضد الولايات المتحدة والذي أدّى إلى إعلان حملة مُقاطعة شعبية للسّلع الأمريكية في الهند…
الصين والهند
زار وزير الخارجية الصِّيني الهند يَوْمَيْ 19 و 20 آب/أغسطس 2025، ولم تُؤَدِّ المباحثات إلى حل النّزاع الحدودي المُستمر منذ أكثر من ستة عُقُود، لكن اتفقت الحكومتان على على استئناف الرحلات الجوية المباشرة بينهما والتي تم تعليقها أثناء انتشار فيروس كورونا سنة 2020، إضافة إلى المناوشات العسكرية على الحدود، بين الجَيْشَيْن، خلال نفس السّنة، واتّفقتا على تعزيز التجارة الثنائية والإستثمار، وفق وكالة الصين الجديدة نقلا عن وزارة الخارجية الصينية ( 20 آب/أغسطس 2025)، وساهمت السياسات العدوانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تكثيف الزيارات بين مسؤولين في البلدَيْن، قبل زيارة وزير الخارجية الصيني إلى الهند، وقبل رحلة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى الصين – لأول مرة منذ أكثر من سَبْعِ سنوات – للمُشاركة في قمة شنغهاي للتعاون، يَوْمَيْ 31 آب/أغسطس والأول من أيلول/سبتمبر 2025، ولِلِقاء الرئيس الصيني على هامش القِمّة، وربما حل بعض الخلافات المتعلقة بترسيم الحدود أو بمخاوف الهند وبنغلادش بشأن السد الضخم الذي تبنيه الصين على نهر يارلونغ تسانغبو ( أو براهمابوترا كما يُسَمّى في الهند وبنغلادش) في منطقة التبت كجزء من مشاريع الطاقة الكهرومائية الصّينية في إقليم التبت…
تُشكل هذه المحادثات حدثًا هامًّا بين دولتَيْن مُؤسِّسَتَيْن لمجموعة بريكس، وقد يُمكّن التّقارب بينهما من إعادة تشكيل النظام العالمي خلال القرن الحالي، وتغيير بعض المُعادلات السياسية والإقتصادية، من بينها التّعامل بالعملات المحلّيّة مما يُثير تساؤلات بشأن مستقبل الدولار والهيمنة الأمريكية في آسيا، وقد يُؤدّي تحسن العلاقات الإقتصادية والتجارية إلى إلتّوصّل إلى تسْوِيَة قضية الحدود بين البلدَيْن الأكثر كثافة سكانية في العالم، كما تطمح الهند والصين إلى صياغة نظام عالمي متعدد الأقطاب بدل هيمنة القطب الواحد الأمريكي، خصوصًا بعد إصرار دونالد ترامب على رفع الرسوم الجمركية على واردات الهند التي كانت متحالفة مع الولايات المتحدة صدّ الصين، قَبْلَ القرارات الأمريكية أحادية الجانب، مما اضطر حكومة الهند إلى مُراجعة حساباتها وتحالفاتها…
أكد وزير الخارجية الصيني خلال لقائه بنظيره الهندي في نيودلهي على ضرورة “تعزيز الشراكة بين البلدين بدلاً من التنافس (…) يجب على الصين والهند تطوير فهم استراتيجي صحيح والنظر إلى بعضهما كشركاء وفرص متاحة، وليس كخصوم أو تهديدات…” كما أكّدَ على “أهمية التعاون في ظل التحديات الدولية المشتركة”، ويندرج مضمون هذا التّصريح ضمن الرؤية الصينية للعلاقات الدّولية في إطار نظام عالمي متعدد الأقطاب
بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند والصين نحو 118,4 مليار دولارا، سنة 2024 لتُصبح الصين أكبر شريك تجاري للهند، وطلبت الصين من الهند تخفيف القيود على الاستثمارات الصينية، وكان ارتفاع حجم التبادل التجاري مُحفِّزًا للتقارب الصيني الهندي – وربما التحالف الروسي الصيني الهندي، بعد قمة شنغهاي – الذي قد يُعزّز المكانة الدّولية لمجموعة بريكس في مواجهة الهيمنة “الغربية”، مما قد يُضعف النّفوذ الأمريكي.
من وجهة نظر العرب والشُّعُوب المُضْطَهَدة، يعكس النظام العالمي مُتعدّد الأقطاب مصالح الهند والصين وروسيا، وقد يُخَفِّفُ من هيمنة الإمبريالية الأمريكية، لكنه لن يُغَيِّرَ الشيء الكثير ما دامت بلداننا لا تُخطط للمستقبل ولا تُصمّم برامج تمكنها من الإستقلال الإقتصادي على مدى بعيد، باعتبار العلاقات المتطورة بين الهند والكيان الصهيوني وباعتبار قُوّة مجموعات الضغط الهندية المُؤيّدة لسياسات الولايات المتحدة، و”براغماتية” السياسات الصينية التي لا تُشكّل بديلا لنا.



إرسال التعليق